تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
المؤثرين ما فيه مصلحة الناس ، وأزيل عنهم الضّر والباس ، واعمل برأيهم ، وأنصف المظلوم ، وأقمع الظالم . فان نقصت شيئا من هذه الشرائط كّلها التي عددت ، ولم أبلغ فيها فوق ما وعدتكم ؛ تبرأت إليكم من الملك . وانا اشهد اللّه على ذلك ، ثمّ موبذان موبذ ، وهو العدل فيما بيني وبينكم ، وانا مع هذا راض بما أعلمتكم من وضع التاج بين أسدين ضاريين . فمن تناوله ، كان أولى بالملك من صاحبه . فلما سمع القوم ذلك من مقالته ، وما عرض من نفسه ، قالوا أحلنا يومنا لننصرف ونتناظر فيما بيننا ، ونأتيك غدا بما نعزم عليه من شأننا . قال بهرام انصرفوا في حفظ الله . فانصرفوا ، وجلسوا عشيّتهم تلك ، فتناظروا ، وقالوا : لا نقدر على ردّ قول بهرام ، ولا نجحد شيئا مما قاله : وان اتفقنا « 1 » على صرف الملك عن خسرو ، تخوّفنا ان يكون في ذلك ما يكره من محاربته . وقد بذل من نفسه وضع التاج بين اسدين ، فان قدر على اخذ التاج من بين يدي الاسدين ، فالصواب ان نسلّم الملك اليه . فان افترسه الأسد ، سلمنا من معرتّه . فاجتمعوا على ذلك فلما كان من الغد ، اقبلوا إلى بهرام ، فاستأذنوا عليه بالدخول ، فأذن لهم فلما دخلوا ، سلّموا . وبعد ردّ السلام أخذوا مجالسهم ، فتكّلم بهرام ، فقال : على ما ذا عزمتم ، أعلمونى ما اجتمعتم عليه ، لأعلم ما اصنع . فقال القوم : انا قد بايعنا الرجل ، وقد اتّفق رأينا على الرضى والتسليم بما بذلت من نفسك مع وضع التاج بين اسدين ضاريين ، فتنازع أنت وهذا الرجل الذي بايعناه . فأيّكما سبق اليه ، سلّمنا اليه الملك . فرضى بهرام بذلك ، فقام موبذان موبذ ، فأخذ التاج ، فوضعه ناحية . وانطلق الاصهبذ فجاء بأسدين مجوّعين ، فشدّهما عند التاج . فقال بهرام للرجل الذي ملّكوه : دونك التاج . قال الرجل : أنت أولى بالبدو مني « 2 » ، لانّك طلبت الملك بالوارثة ، وانا فيه مغتصب « 3 » . فلم يكره بهرام قوله لثقته بنفسه ورباطة جأشه . فتناول عمودا من حديد غليظا ، وتوجّه نحو الاسدين . فهتف به موبذان موبذ : بوء بذنوبك ، وتب إلى ربك ، ثم اقدم ان كنت فاعلا . فباء بهرام بذنوبه ، وتاب إلى ربه ، ثم مشى نحو الاسدين ؛ فبدر اليه أحدهما ليثب عليه ، فوثب اليه بهرام ، فركب ظهره ، وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا اثخنه حتى زلزله . وشّد « 4 » الآخر عليه ، فرفع بهرام العمود ، فضربه على امّ رأسه ، ثم تناول اذنيه ، فجعل ينطح رأسه برأس الاخر وصار يضربهما بعضها ببعض ، حتى قتلهما جميعا . ثم تناول التاج ، فوضعه على رأسه وقال : من كان به جرأة فليتقدم الىّ . فتعجّب الناس ، ونكسوا رؤوسهم وصار كلهم ينظر صاحبه شررا ويرمقه خزرا . فكان أول من
هامش
( 1 ) . النهاية : نافقنا ( 2 ) . تاريخ : الدنو ( 3 ) . النهاية : مغصوب ( 4 ) . تاريخ : فوثب