تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وجودة قتالهم ومبلغ صبرهم ونجدتهم . فيكتب فعل رجل رجل وبلاه ونصحه . فإذا رأى رجلا منهم له صبر في الحروب ونجدة وبأس واقدام ورمي معجب ! وبارز بين صفّين ، فظهر عليه ؛ كتب بجميع ما يرى من ذلك ، ونسبه إلى صاحبه ، ويرسل الكتاب إلى الملك ، فيأمر صاحب الديوان ان يكتب فعله مع اسمه في الديوان ، فيعرف بلاء رجل وموقفه ، فيعرفون بذلك ، ويحسن جوائزهم ، ليغتبط بذلك سواهم ، ويحرّضوا على بلوغ مبالغهم . فكان رجل من الأساورة يقول إذا افتخر انظروا في ديوان الملك ما تجدون من بلائي في المواطن . فلم يكن يضيع عنده بلاء ابلاه أحد ، ولا ينسى صنع من أحسن منهم . وكان اردشير يأمر بصلة من أصيب في طاعته ، فيستوصي بهم خيرا ، ويتعاهد ويتفقد أمورهم . فكان ذلك يزيد الأساورة احتشادا في الحرب ، ومباراة في المال ، وصبرا في الروّع ابتغاء الذكر ، مع ما كان يعجل لهم من الكرامة والحباء « 1 » . فهذا كان تدبيره في اختياره الأساورة .

تدبيره في اختياره الكتاب

وكان اردشير بابكان يأمر من حضر بابه من الشباب الذين مهروا في المكانة ان يجمعوا . ويختار منهم من يرضى لبّه وعقله ونبله وهمّته ، ويثبت أسماءهم وأسماء آباهم . وامر أن يحضروا كتّاب الملك ليأخذوا عليهم ويأخذوا من هديهم وآدابهم . فإذا استبان من عقل الرجل منهم ولّبه وهديه ونفانذه « 2 » في الكتابة والحساب ، اخبر الملك بأمره . فيدعو به فيستنطقه . فإذا رضيه ؛ وجّه به مع بعض عمّا له في النواحي ، ويجري عليه ما يصلحه ، ويقيمه ، ويتقدّم اليه ان لا يظلم أحدا من الرعية . ولم يكن يوّجه أحدا من عمال المعادن وأصحاب الخراج الّا بعث معه كتابا من قبله قد رضيه ، ووثق بأمانته . ولم يكن أحد من العمّال يستطيع ان يستكتب أحدا من النّاس لا ولدا ولا أخا ولا صديقا ، الا من يوجّهه الملك معه . ولم يكن يتجسّر كاتب ان يبيع غلاما ولا رفيقا الا بأمر الملك وعلمه وأذنه ورضاه . وكان يرى الكتّاب ، منزلا لا يراها لسواهم ويقول : هم نظام أمورنا والسنتنا الّتى تنطق وعدّتنا الّتى نعتدّبها لتناول عدونّا في الأرضين القريبة والبعيدة . وهم امناؤنا وأمناء رعايانا الذين يحفظون علينا ، وعليهم حسابنا ، وهم العدول بيننا وبينهم ، وهم المعبّرون عنّا وعن رعايانا . فحقّهم علينا واجب لذلك ، ولما يكون من أسرارنا ، وجسيم أمورنا عندهم . فهذا كان تدبيره في اصطناع الكتاب .
هامش
( 1 ) . تاريخ : الجد ( 2 ) . الصحيح : ونفاذه