ثم توفّى ، فاجتمع عظماء أصحابه ، ليصلحوا شأنه ، فكفنّوه ، وصلّوا عليه ، وجعلوه في تابوت من ذهب ليوجّهوه إلى أمّه بالإسكندرية ، فيدفن هناك .
فقال قائل منهم : هذا الذي كان يأسر الناس فأصبح أسيرا . وقال آخر : هذا المفوّه البليغ في منطقه ، قد أصبح صامتا . وقال آخر : هذا الالّد في الخصام قد أصبح عييّا ، ولو كان هذا العيّ متقدما ، كان أفضل له . وقال آخر : هذا الذي لم يكن يجترى عليه بالأمس ، فها هو اليوم لا هيبة له . وقال آخر : هذا الذي كان السؤول عن دواوين دنياه ، فها هو اليوم يسأل عن دواوين عمله . وقال آخر : ما كان أحوجه إلى هذا الصمت والحلم في حياته . وقال آخر :
طوى هذا دنياه تلك العريضة الطويلة في ثلاثة أذرع من الأرض . وقال آخر : ما ازهد الناس في هذا الجسد ، وارغبهم في هذا التابوت الذهبي ! وقال آخر : لربّ يوم حرصنا فيه على سكوته ، فلم يسكت ، فها نحن اليوم نحرص على كلامه فلا يتكلم . وقال آخر : هذا صاحب الصّلات والعطايا ، قد احتاج اليوم إلى من يصله ويعطيه . وقال حاجبه : قد كنت قويّا على حجبه ، فلما أتته منيّته ، لم يغن عنه حجابى . وقال صاحب حرسه : ما قويت « 1 » على حراسته ، فها أنا اليوم قد أسلمته لأعدائه . وقال خازنه : قد كان يأمرني بالحفظ والادخار ، فاليوم إلى من أدفع ذخائره ، وقالت امرأة روشنك ابنة دارا : ما كنت احسب ان غالب دارا يغلب ويقهر ، فها هو اليوم قد غلب وقهر . وقال كاتبه : قد كنت حافظا لحساب ملكه وسلطانه ، فها انا اليوم قد ضيّعت كتابته « 2 » .
ثم حمل في ذلك التابوت الذهب إلى الإسكندرية ، فوضع امام أمّه . فاجتمعت فلاسفة الإسكندرية ، فقالت أمّه : يرحم الله ابني وقرة عيني ، فقد نال من الدنيا امله ، ولم يكن شئ عنده آثر ولا اقّر لعينه من طاعة ربه ، عزّ وجلّ « 3 » . ولقد أمرني في كتابه بالصبّر عنه . وقد انتهيت في ذلك إلى امره .
وقال عظيم أولئك الفلاسفة : أيها الساعي في هلاك نفسه ، جمعت الأموال لغيرك ، وصار حسابها عليك !
وقال آخر منهم : يا ذا الذي تمادى في غيّه وتلوّث في دنياه ، قد أفضت دنياك إلى من لا يحمدك !
وقال آخر : يا ذا الأماني والغرور ، لم تتزّود من دنياك الا هذا التابوت الذهبي الذي
هامش
( 1 ) . تاريخ وأصل : ماثويت
( 2 ) . ينظر : مروج الذهب - تحقيق يوسف أسعد داغر - : 1 / 320 / 324
( 3 ) . تاريخ : طاعة الله