العسكران ، وتواقفا للحرب ؛ قدّم الفيلة امام صفوفه . ففزع أصحاب الإسكندر فزعا شديدا ، لانّها كانت فيلة وسباعا ضارية
مستكلبة ، قد ألبست السلاح ، ونظرت إلى جنود فور مجرّدين بأيديهم السيوف الهندية كانّها النيران ، فلم يقدم الخيل على تلك الفيلة والسباع . فلّما رأى الإسكندر ذلك كتب إلى فور يسأله تأخير الحرب ، ويطمعه في الصلح . فاجابه فور إلى ذلك . فانصرف كلا « 1 » القوم إلى معسكرهم . وكان الإسكندر ذا دهاء وحيلة ، ومعه في معسكره عشرون الف صانع ، ممن يعمل النحاس والحديد . فأمرهم ، فعملوا له عشرين الف تمثال كهيئة « 2 » الرجال في زيهم ولباسهم وسلاحهم ، وجعلوها مجوفة ، وحشوا أجوافها قارا وكبريتا ونفطا وزفتا .
ثم اشعلوا النيران حتى حميت ، وصارت جمرا فجّرها الرجال ليلا على بكرات ، حتى نصبت امام صفوفهم ، وقد ألبست السلاح . ثم ضربوا البوقات وارتفعت الزعقات « 3 » وتداعوا إلى الحرب . وزحف الإسكندر في جنوده ، وأمامهم تلك التماثيل . فحملت الفيلة والسباع على التماثيل ، وهي تحسبها رجالا ، فأحرقت النار مشافرها ومخالبها .
فانصرفت راجعة لا تلوى على شئ . فلما ردّ الله ، عزّ وجلّ ، عن الإسكندر الفيلة والسباع ؛ اطمأن أصحابه ، ونشطوا للحرب ، وطابت أنفسهم ، وسكنت روعتهم . ثم اقتتلوا قتالا شديدا عامة ذلك اليوم ، وصبر جنود فور صبرا صادقا . وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة .
فتقدّم الإسكندر حتى قام بين الصفين ، وبعث إلى فور ، ملك الهند ان يدنو منه ليكلّمه .
فدنا منه فور ، وقال ما تشاء ؟ قال له الإسكندر : انّه قبيح بالملوك ان يوردوا جنودهم « 4 » موارد الهكلة ، وينجوا هم بأنفسهم فهلمّ بنا للحرب انا وأنت لنعفى الفريقين عن القتال وتبرزلى فايّنا قتل صاحبه استولى على ملكه . فاعجب ذلك فور لثقته بنفسه ، وعظم خلقه .
وابصر ، فرأى الإسكندر نحيف الجسم ممشوقا ، فحقّره ، وطمع فيه ، وأجاب إلى ذلك .
فامرا جنودهما بالوقوف عن الحرب ، ولزوم مصافّهما ، ودلف كل واحد منهما إلى صاحبه .
فلما دنا فور من الإسكندر ، سمع جلبة من عسكره افزعته ، فالتفت لينظر اليه ، فاغتنم الإسكندر التفاته ، فحمل عليه بالسيف ، فضربه ضربة على عنقه فقطعها وابانها ، وسقط فور عن دابّته . ميتا . فغضب جنود فور من ذلك ، وازدادوا غيظا وحنقا ، وحملوا على
هامش
( 1 ) . تاريخ : إلى ، النهاية : كل قوم
( 2 ) . النهاية : على هيئته
( 3 ) . أصل والنهاية : بالبوق
( 4 ) . النهاية أصحابهم