العاتى ، المتّمرد على ربّه ، المغرور بما أوتى من سلطانه ، الزائل وشيكا عنه ملكه ، الا تخاف الله الذي خلقك فسّواك ، وأفضل عليك ، وأعطاك ملكا وسلطانا ، الا تعتبر بالملوك الذين كانوا من قبلك الذين انقرضوا وبادوا وادرجوا وماتوا ، فما اغنى عنهم ملكهم ، ولا يمنعهم من الموت مانع ولا قوة سلطانهم ، الست تأكل مما يأكلون وتلبس مما يلبسون ؟ اتّق الله فانّك لا حق بهم وشيكا ، ومفض إلى التراب ، فتؤوب شر مآب ؛ ولا تقال العثرة ولا تنفعك الحسرة ! فلما سمع الإسكندر ذلك ؛ غضب شديدا ، وقال لذلك العبد الصالحك سانتقم منك قريبا لتجبّهك ايّاى في مثل الذي جبهتنى « 1 » وبمشهد من عظماء أهل مملكتي ، وأجعلك أحدوثة لمن يكون بعدى لجرأتك عليّ ، وقلّة هيبتك لي ، فقال العبد الصالح : لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ثمّ امر به إلى السجن ، فحبس ايّاما ثلاثة . فلما كان في اليوم الرابع ؛ ارسل الله إلى ذلك العبد الصالح ملكا من الملائكة ، فأتاه فقال له : قم فأخرج « 2 » من هذا البيت ! قال له : وكيف اخرج ، وقد حبسني « 3 » هذا الجبّار العاتي الظالم عندما أمرته بتقوى اللّه وترك التمّرد على عباد الله ؟
قال له الملك : ارفع رأسك إلى السقف ! فرفع رأسه ، فنظر إلى السقف منفرجا . ثم اختظف من ذلك البيت ، وحمل حتّى وضع في منزله . فلمّا بلغ الإسكندر ذلك دعا بصاحب محبسه « 4 » فقال : اين الرجل الذي سلّمته إليك ، وأمرتك بحفظه ؟ فقال : انه نودي وقيل له كذا وكذا . ثم انفرج السقف ، واختطف وهو منفرج على هيئته ، فابعث من ينظر اليه ! فقام الإسكندر في نفر من بطارقته ، حتّى اتى ذلك المجلس « 5 » ، ورأى سقفا منفرجا ، فاقشعّر جلده ، وصغر في نفسه ملكه . فركب في نفر من خاصتّه ، وقدّم أناسا من ثقاته ليطلبوا ذلك الرجل . فانتهوا اليه ، وهو على رأس جبل يعبد فيه الرب تبارك وتعالى . فلما دنوا منه ؛ زجرهم . وقال : ارجعوا إلى صاحبكم هذا العاتى على ربه المتّمرد على عباده « 6 » . فانّ الله ، عزّ وجلّ ، رافع ذكره ، ومسلطّه على جميع أرضه وأقطار بلاده ، حتى يملك جميع بريتّه ، وان تمادى في طغيانه ، وانهمك في غيّه ، فان ملكه مسلوب عنه ، واجله قريب منه . فانطلق القوم فأخبروا الإسكندر بمقالته ، فازداد غيظا من قوله وحنقا ، وسار نحوه . فلما انتهى اليه ، قال : ما هذه الرسالة التي كتبت بها إلى ؟ قال له ولّىّ الله : انّى نذير لك من هلاك
هامش
( 1 ) . تاريخ : لتجهمك . . . جهمتنى
( 2 ) . هنا : واخرج
( 3 ) . هنا : الله تعالى
( 4 ) . النهاية : سجنه
( 5 ) . النهاية : الحبس
( 6 ) . النهاية : العاتى المتمرد على ربه