انّى رأيت جديسا ليس يمنعها * من التمرد ما يخشى من النقم
لا تزهدنّ في طراد القوم عندهم * مثل الظباء « 1 » ترعى زاهر السلم
ومقربات خناذيذ « 2 » مسومة * تعشي العيون وأصناف من النعم
فلما سمع ذلك نشط للمسير معه إلى جديس ، لينتقم منها لطسم ، وقال للرجل : انا سائر معك ، وطالب بثارك ، لأنّ القوم غدروا بكم وخالفوكم فالوا جب على الملك الانتقام لأهل الضّعف من أهل القوة وانصاف المظلومين والاخذ بثار الملهوفين . قال الشيخ : ايّها الملك ! انّ فيهم زرقاء تسمّى غبراء « 3 » ، تنظر الخيل من مسيرة خمسة أيام ، وستنذر قومها إذا أبصرت الجيوش قد أقبلت نحوهم ، فيخلون الديار ويهربون . فامر الملك جنوده ان يحمل كل رجل منهم غصنا من أغصان الشجر ، فتكون في أيديهم كهيئة الاعلام ، فيغطّون بتلك الأغصان أنفسهم « 4 » وخيولهم . وفعلوا ذلك ، وسار بهم الملك نحوا اليمامة . فبيناهم يسيرون « 5 » ، إذ تفرّد رجل منهم يمشى ناحية على الجبال « 6 » يخصف نعله . فنظرت إلى الجيوش ، قد قبلت « 7 » نحوهم على مسيرة ايّام ، وأبصرت الرجل المنفرد وبيده النعل .
يخصفها . فنادت يا آل جديس ! فاجتمع إليها ناس كثير منهم ، وقالوا : ما دهاك ؟ فقالت :
أرى شجرا يسير إليكم ، ورجل منفرد عن الشجر يمشى ناحية منها ، وبيده كتف ينظر إليها ، ونعل يخصفها . ثم أنشأت تقول :
انّى أرى شجرا من خلفها بشر * وكيف يجتمع الأشجار والبشر
خلّوا دياركم من قبل داهية * من الأمور التي تخشى وتنتظر
انى أرى رجلا في كفه كتف * أو يخصف النّعل خصفا ليس يعتذر
ثوروا بأجمعكم في وجه اولّهم * فان ذلك حزم فاعلموا ظفر
أو بيّتوا القوم نصف الليل ان رقدوا * ولا تخافوا لهم كيدا وان كثروا « 8 »
قالوا : ويحك وكيف يسير الشجر ؟ ا وخولط عقلك ؟ ثم اعتزلوها ، ولم يقبلوا منها ،
و
هامش
( 1 ) . تاريخ : الجآذر
( 2 ) . تاريخ : جناديد ، النهاية : خناديد
( 3 ) . وفي مروج الذّهب اسمها : اليمامة ؛ ينظر : مروج الذهب 2 / 119
( 4 ) . النهاية : نفوسهم
( 5 ) . النهاية : سايرين
( 6 ) . عن الخيل
( 7 ) . الصحيح : أقبلت
( 8 ) . ينظر : معجم البلدان : 5 / 446 ، ومروج الذهب : 2 / 119