ومن معه فقاتلهم حتى اختلط الظلام ، ثمّ انصرف ، فقال سفيان لأصحابه :
لا تتبعوهم .
فلمّا انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه : اعبروا وإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء اللَّه . فعبروا أمامه وتخلّف في آخرهم ، وجاء ليعبر وهو على حصان ، وكانت بين يديه فرس أنثى ، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت الحجر تحته ونزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء ، فلمّا سقط قال :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
[ 1 ] ، وانغمس في الماء ، ثمّ ارتفع وقال :
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[ 2 ] ، وغرق .
وقيل في قتله غير ذلك ، وهو أنّه كان مع جماعة من عشيرته ولم تكن لهم تلك البصيرة النافذة ، وكان قد قتل من عشائرهم رجالا ، فكان قد أوجع قلوبهم ، وكان منهم رجل اسمه مقاتل من بني تيم بن شيبان ، فلمّا قتل شبيب من بني تيم أغار هو على بني مرّة بن همّام رهط شبيب فقتل منهم ، فقال له شبيب : ما حملك على قتلهم بغير أمري ؟ فقال له : قتلت كفّار قومي فقتلت كفّار قومك ، ومن ديننا قتل من كان على غير رأينا ، وما أصبت من رهطي أكثر ممّا أصبت من رهطك ، وما يحلّ لك يا أمير المؤمنين أن تجد على قتل الكافرين . قال : لا أجد .
وكان معه أيضا رجال كثير قد قتل من عشائرهم ، فلمّا تخلّف في آخر الناس قال بعضهم لبعض : هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا ؟ فقطعوا الجسر ، فمالت به السفن ، فنفر به الفرس فوقع في الماء فغرق . والأوّل أصحّ وأشهر .
وكان أهل الشام يريدون الانصراف ، فأتاهم صاحب الجسر فقال لسفيان :
هامش
[ 1 ] ( سورة الأنفال 8 ، الآية 42 ) .
[ 2 ] ( سورة الأنعام 6 ، الآية 96 ) .