ومع المقصرين وإنّهم لأكياس أتقياء ، ولكنّهم لا يستكثرون للَّه عزّ وجلّ الكثير ولا يرضون له القليل ولا يدلّون عليه بالأعمال فهم أينما لقيتهم خائفون مهيمون وجلون .
فلمّا سمع أيّوب كلامه [ 1 ] قال : إنّ اللَّه يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير ، فمتى كانت في القلب ظهرت على اللّسان ولا تكون الحكمة من قبل السنّ والشيبة ولا طول التجربة ، وإذا جعل اللَّه تعالى عبدا حكيما عند الصّبا لم تسقط منزلته عند الحكّام . ثمّ أقبل على الثلاثة فقال : رهبتم قبل أن تسترهبوا ، وبكيتم قبل أن تضربوا ، كيف بكم لو قلت لكم تصدّقوا عني بأموالكم لعلّ اللَّه أن يخلّصني ، أو قرّبوا قربانا لعلّ اللَّه أن يتقبّل ويرضى عني ؟
وإنّكم قد أعجبتكم أنفسكم فظننتم أنّكم عوفيتم بإحسانكم فبغيتم وتعزّزتم ، لو صدّقتم [ 2 ] ونظرتم بينكم وبين ربّكم لوجدتم لكم عيوبا سترها اللَّه بالعافية ، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقّرونني وأنا مسموع كلامي ، معروف من حقّي ، مستنصف « 1 » من خصمي ، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم ، فأنتم أشدّ عليّ من مصيبتي .
ثمّ أعرض عنهم وأقبل على ربّه مستغيثا به متضرّعا إليه فقال : ربّ لأيّ شيء خلقتني ! ليتني إن كرهتني لم تخلقني ، يا ليتني كنت حيضة ملقاة ، ويا ليتني عرفت الذنب الّذي أذنبت فصرفت وجهك الكريم عني ! لو كنت أمتّني فالموت أجمل بي ! ألم أكن للغريب دارا وللمسكين قرارا ولليتيم وليّا
هامش
[ 1 ] كلامهم .
[ 2 ] تصدّقتم .
( 1 ) . منتصف .S