اثنتين معا لما جاز أن يقال طلّقها مرّتين . وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال : أعطاه مرّتين حتّى يفرّق الدفع فحينئذ يطلق عليه . . .
هذا ما نطق به القرآن الكريم . وليس الرأي تجاه كتاب اللّه إلّا تلاعبا به ؛ كما نصّ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في صحيحة أخرجها النسائي في السنن « 1 » ، عن محمود بن لبيد ؛ قال : أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ؛ فقام غضبان ثمّ قال : « أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم ؟ ! » . حتّى قام رجل وقال : يا رسول اللّه ! ألا أقتله ؟
ولبعض أعلام القوم في المسألة كلمات تشدّق بها ، وأعجب ما رأيت فيها كلمة العيني ؛ قال في عمدة القاري « 2 » :
إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ .
فإن قلت : ما وجه هذا النسخ وعمر رضى اللّه عنه لا ينسخ ؟ وكيف يكون النسخ بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ؟
قلت : لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار صار إجماعا . والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنصّ فيجوز النسخ به . . .
فإن قلت : هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقّهم .
قلت : يحتمل أن يكون ظهر لهم نصّ أوجب النسخ ولم ينقل إلينا ذلك .
لم تسمع الآذان نبأ هذا النسخ في القرون السالفة إلى أن جاد الدهر بالعينيّ فجاء يدّعي ما لم يقل به أحد ، ويخبط خبط عشواء ، ويلعب بكتاب اللّه ،
هامش
( 1 ) - السنن الكبرى 6 : 142 [ 3 / 349 ، ح 5594 ] ؛ الدرّ المنثور 1 : 283 [ 1 / 676 ] .
( 2 ) - عمدة القاري 20 : 233 .