قال السيّد المرتضى : صدق الحميري ؛ لأنّ أبويه كانا من أتباع بني أميّة ومن النواصب ظاهري النصب والعداوة لأهل البيت عليهم السّلام ، وجرت العادة على أنّ المرء تابع لمحيطه والبيئة التي عاش فيها وينشأ على أخلاقها وعاداتها أو على ما درج عليه أبواه وأقربائه وأقرانه ، أو على توجيه الأدباء والعلماء له ، وهؤلاء جميعا كانوا نواصب ، وعاش الحميري بين ظهرانيهم فخرج من بينهم مؤمنا طاهر الاعتقاد ، فلا يكون ذلك إلّا بفضل من اللّه وبتوفيق ربّانيّ خاص .
فائدة : اعلم بأنّ ملوك بني أميّة كانوا جميعا يعرفون فضل عليّ وفاطمة وأولادهما ، وعلوّ مرتبتهم ، وحصل لهم العلم بذلك ، وأمّا غيرهم فهم كما قال اللّه حكاية عن موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
« 1 » ، وهؤلاء يقينا عرفوا رسالة موسى ولكنّهم أنكروها ، وكذلك فعلوا مع محمّد والقرآن كما قال تعالى :
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
« 2 » .
ومثله حال بني إسرائيل مع هارون عليه السّلام وهو نبيّ ووصيّ موسى ، وعرف أولئك الناس مقامه ورفيع منزلته عند اللّه وقربه من موسى ، قال تعالى :
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي
« 3 » وكان ابن عمّ لبني إسرائيل ولكنّهم تركوه وحده ومالوا إلى عبادة العجل ، وكذلك إخوة يوسف عرفوه بعلمه وورعه ونبوّته أكثر من غيرهم ومع ذلك أرادوا قتله كما ظهر ذلك للعلماء والعقلاء ، كما ذكر في كتاب اللّه :
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا
« 4 » وإنّما قالوا ذلك لأنّهم أبناء علات ،
هامش
( 1 ) الصف : 5 .
( 2 ) البقرة : 89 .
( 3 ) الأعراف : 150 .
( 4 ) يوسف : 8 .