لم نحوّل القبلة إلى الكعبة التي كانت تدور في خلدك وكانت رغبة لك إلّا لنميّز من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبه ويعود إلى كفره الأوّل :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
« 1 » أي الكافر من المسلم .
وفي موضع آخر دلّ على كثرة الخبيث كما قال :
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ
« 2 » ، والطهارة عبارة عن الإسلام ، والخبث عبارة عن الكفر والنفاق ، وهذا الابتلاء محك لرجال العالم والمائز بين العالمين والجاهلين ، وإظهار لكفر الكافرين ونفاق المنافقين :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 3 » .
الثامن : هديّة الهدى لعباده كرامة من لدنه سبحانه ولم يسلمهم إلى حيّز الابتلاء بل ألهمهم كيفيّة الاستدلال وألزمهم الحجّة على ذلك ، وجعل مدح الدنيا ومدح ثواب الآخرة في عرض طاعة العبوديّة كما قال :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
« 4 » وقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
« 5 » .
وجعل ذمّ الدنيا واستحقاق عقاب الآخرة في عرض معصية العباد كما قال تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ
« 6 » ، وقال :
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ
« 7 » .
وبعض هذه الدلالة والتنبيه تكون حاصلة بالأدلّة العقليّة وكيفيّتها مركوزة في
هامش
( 1 ) آل عمران : 179 .
( 2 ) المائدة : 100 .
( 3 ) الأنفال : 42 .
( 4 ) الكهف : 30 .
( 5 ) الكهف : 107 .
( 6 ) الجنّ : 23 .
( 7 ) الانفطار : 14 - 16 .