جبلّة بني آدم ، وبعضها الآخر ببيان الأنبياء ؛ لأنّ العلم بكيفيّة العبادة من حيث التفصيل والمقدار لا تستقلّ بإدراكها العقول ما لم ترشد إلى ذلك وتنبّه عليه ، ومنه قوله تعالى :
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
« 1 » ،
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 3 » .
وينبغي على العقال أن يقيم بناء الدين والملّة على هاتين الحجّتين : إحداهما العقليّة التي تنظر فيم موضعها في الدليل لا في الشبهة ، والثانية : السمعيّة في موضعها ، وتضع العقل في ميزان النقل وتأوّل ما وافقه العقل .
وبما أنّ العامّة لا يملكون المهارات لدفع الشّبه وقعدوا عن تطلّب العلوم ، ويقنعون بالتقليد ونظائره ، وليست لهم قوّة التميّز بين الطبع والهوى ، والعقل ورضا اللّه ، أو أنّ بعضهم يستبدلون الدنيا الفانية بالمذهب ترغيبا بالحكّام أو ترهيبا ، ولا يبدون اهتماما بالثواب الأبديّ والعقاب السرمديّ ، لذلك عمد أهل البدع على وضع المذاهب بعد مرور قرن أو قرنين أو أكثر من ذلك ، فأقاموا بناء الدين بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله طمعا بالجاه الدنيوي أو اغترارا بكثرة السواد التابع ، أو طلبا للصيت والشهرة في الدنيا ، وبحثا عن المقلّدين على النشوء والارتقاء ، وظلّوا تابعين حيث ولدوا ، فلم يسعوا وراء الحقّ عن طريق الانصاف والتتبّع ، وقنعوا بهذا المقدار الذي كشفته الآية :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
« 4 »
هامش
( 1 ) الأنعام : 48 ، الكهف : 56 .
( 2 ) النساء : 165 .
( 3 ) الإسراء : 15 .
( 4 ) الزخرف : 23 .