تصبّ فيها ممّا يحوشه له أعوانه وأصحابه من غصب أموال المسلمين بالقهر والغلبة ، فجمعوها عنده وخوّلوها إلى ذهب من الدنانير الوفيرة وبائوا بإثم الظلم والتعدّي ، وقد قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
« 1 » وقال :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
« 2 » .
ولمّا خطفت بصره الدنانير الكثيرة في بيت المال أطلق فيها يده وأنفقها بجملتها على بني أميّة وبني الأعمام وبني الأخوال والأقرباء ، فمكّنهم وقوّاهم بما أعطاهم ، وحرم السواد الأعظم من المسلمين من القوت ، فانطلقت الألسن بذمّه وثلبه ، فلم يعبأ بذلك واستظهر ببني أميّة ، واتّخذ لنفسه وأسرته حياة الجبابرة من الأكاسرة والفراعنة ، وبذخ بذخهم ، فاتّخذ الرقيق من الترك والروم والخطا ، فاشتراهم من هذه الأموال ، واشترى الخيل والبغال وزينتها ، وراح يعدّ العدّة لمديدة وتعدّيه وتغلّبه على الناس .
فأرسل مماليكه إلى نواحي العراق والحجاز ليجوسوا خلال الديار لكي يحملوا له المراعي والجبال والأرض الزراعيّة ويرسموها لديوانه ويوقفوها عليه وعلى بطانته حتّى ضاقت الأرض على ساكنها ، ونادى مناديه : من أراد أن يعلف دابّته في أرض فليأت وليشتر المرعى منّي ، فأقبل الناس لشدّة احتياجهم طوعا أو كرها إلى عثمان ويبتاعون الدغل الذي أنبته اللّه للناس وجعلهم فيه شرعا منه .
ومثله فعل عمر الذي أبطل الزكاة وكان يأخذ المال حيث لم يجب ويتركه حيث وجب ، لأنّه كان يأخذه بناءا على طريقة مسح الأرض ، ولا تؤدّى هذه الطريقة إلّا إلى ذلك .
هامش
( 1 ) الطلاق : 1 .
( 2 ) المدّثّر : 38 .