ثمّ قال :
ووجه آخر : أنّه قد ثبت أنّ للَّهعزّ وجلّ صفات وأسماء متقابلة هي من أوصاف الكمال ونعوت الجلال ، ولها مظاهر متباينة بها يظهر أثر تلك الأسماء . مثلًا لمّا كان قهّاراً أوجد المظاهر القهريّة التي لا يترتّب عليها إلّاأثر القهر ، ولمّا كان غفوراً أوجد مجالي للعفو والغفران ، وقس على هذا .
فظهر أن لا وجه لاستناد الظلم والقبائح إلى اللَّه سبحانه ؛ لأنّ هذا الترتيب والتمييز من وقوع فريق في طريق اللطف وآخر في طريق القهر من ضروريّات الوجود والإيجاد ، ومن مقتضيات الحكمة والعدالة . ومن هنا قال بعض العلماء : لَيْتَ شِعري لِمَ لا يُنسب الظلم إلى المَلِك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرّفه وزيراً قريباً وبعضهم كنّاساً بعيداً ؛ لأنّ كلّاً منهما من ضروريّات مملكته ، وينسب إلى اللَّه تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص ، مع أنّ كلّاً منهما ضروريّ في مقامه ؟ ! . « 1 » انتهى .
الحديث الثاني
روى في الكافي بإسناده ، عَنْ الْعَقَرْقُوفِيِّ ، « 2 » عَنْ أَبِي بَصِيرٍ ، قَالَ : كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام جَالِساً وَقَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ ، فَقَالَ : جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، مِنْ أَيْنَ لَحِقَ الشَّقَاءُ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ حَتّى حَكَمَ « 3 » لَهُمْ فِي عِلْمِهِ بِالْعَذَابِ عَلى عَمَلِهِمْ ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام : « أَيُّهَا السَّائِلُ ، حُكْمُ اللَّهِ - تعالى - لَايَقُومُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَقِّهِ ، فَلَمَّا حَكَمَ بِذلِكَ ، وَهَبَ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ الْقُوَّةَ عَلى مَعْرِفَتِهِ ، وَوَضَعَ عَنْهُمْ ثِقَلَ الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ مَا هُمْ أَهْلُهُ ، وَوَهَبَ لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ الْقُوَّةَ عَلى مَعْصِيَتِه ؛ « 4 » لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ ، وَمَنَعَهُمْ إِطَاقَةَ الْقَبُولِ مِنْهُ ، فَوَاقَعُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا حَالًا تُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلى بِحَقِيقَةِ التَّصْدِيقِ وَهُوَ مَعْنى « شَاءَ مَا شَاءَ » وَهُوَ سِرُّهُ » .
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 528 ، بإسقاط بعض العبارات .
( 2 ) . السند في الكافي المطبوع هكذا : « عليّ بن محمّد رفعه ، عن شعيب العقرقوفي » .
( 3 ) . في الكافي المطبوع : + / « اللَّه » .
( 4 ) . في الكافي المطبوع : « معصيتهم » .