ثمّ إنّه لابدّ هنا من شيئين :
أحدهما : بيان السبب ؛ لكون رؤيا المؤمن جزءاً من أجزاء النبوّة .
وثانيهما : بيان السبب لهذه النسبة المخصوصة ؛ أعني كونها جزءاً من سبعين جزءاً .
أمّا الأوّل ، فنقول : الرؤيا الصادقة من المؤمن الصالح جزءٌ من أجزاء النبوّة ؛ لما فيها من الإعلام الذي هو على معنى النبوّة على أحد الوجهين .
وقد قال كثير من الأفاضل : إنّ للرؤيا الصادقة مَلكاً وكّل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له ، أو يقدر عليه من خير أو شرّ ، وهذا معنى النبوّة ؛ لأنّ لفظ « النبيّ » قد يكون فعيلًا بمعنى مفعول ؛ أي يُعلمه اللَّه ، ويُطلِعه في منامه من غيبه ما لا يُظهِر عليه أحد إلّامن ارتضى من رسول . وقد يكون بمعنى فاعل ؛ أي يُعلِم غيرَه بما القي إليه ، وهذا أيضاً صورة صاحب الرؤيا .
وقال القرطبي : « الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوّة إلّاإذا وقعت من مسلم صالح صادق ؛ لأنّه الذي يناسب حاله حال النبيّ ، وكفى بالرؤيا شوقاً أنّها نوع ممّا أكرمت به الأنبياء ، وهو الاطّلاع على شيء من علم الغيب ، كما قال صلى الله عليه وآله : « لم يبق من مبشّرات النبوّة إلّاالرؤيا الصادقة يراها الرجل المسلم » « 1 » ، وأمّا الكافر والكاذب والمخلّط ، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأحيان ؛ فإنّها لا تكون من الوحي ، ولا من النبوّة ؛ إذ ليس كلّ من صدق في حديث عن غيب يكون خبره نبوّة بدليل الكاهن والمنجّم ؛ فإنّ أحدهم قد يحدّث ويصدق ، لكن على الندرة ، وكذلك الكافر قد تصدق رؤياه كرؤيا العزيز سبع بقرات ، ورؤيا الفتيان في السجن ، ورؤيا العاتكة عمّة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهي كافرة ، ولكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلّطة الفاسدة .
وأمّا الثاني ، فقيل : يحتمل أن تكون هذه التجزئة من طرق الوحي ، منه ما سمع بواسطة الملك ، ومنه ما يلقى في القلب ، كما قال اللَّه تعالى :
« إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى »
« 2 » ؛ أي إلهام ، ومنه ما يأتي به الملك وهو على صورته ، ومنه ما يأتيه [ به ] وهو على صورة آدميّ ، ومنه ما يأتيه في منامه بحقيقته ، ومنه ما يأتيه بمثال أحياناً
هامش
( 1 ) . مسند أحمد ، ج 1 ، ص 219 ؛ سنن الدارمي ، ج 1 ، ص 304 ؛ صحيح مسلم ، ج 2 ، ص 48 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1283 ، ح 3899 ؛ سنن أبي داود ، ج 1 ، ص 201 ، ح 876 .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 4 .