وجعل النفس تابعة له في تلك [ التجارة ] ؛ لأنّه يستعين بها وبقواها الباطنة والظاهرة التي هي بمنزلة الخدم لها في تلك التجارة ، كما يستعين التاجر الدنيوي بشريكه ، ثمّ يحاسبه اللَّه تعالى لكونه الشريك الأعظم في مواقف القيامة التي هي موقف المعرفة وموقف الإيمان وموقف الرسالة وموقف الولاية ، وموقف غيرها من الحقوق والطاعات .
فوجب على العقل أن يحاسب النفس في أوان التجارة ؛ ليأمن من خيانتها ، ويجعلها مطمئنّة ، ويسهّل له الحساب في مواقف القيامة ، أو يتخلّص منه .
وحقيقة تلك المحاسبة أن يضبط عليها أعمالها وحركاتها وسكناتها وخطراتها ولحظاتها ، ولا يغفل عن مراقبتها ، ويصرفها إلى الخيرات ، ويزجرها عن المنهيّات ، ويعاتبها ، ويجاهدها ، ويعاقبها ؛ فإن رأى أنّها مالت إلى كسب معصية ، أو ترك طاعة ، يوبّخها بأنّ ذلك من الحمق والجهل باللَّه وبأمر الآخرة ، وبعقوباتها وخسرانها ، ويجاهدها حتّى ترجع عنه إلى الخير ، وهكذا يفعل بها في حال جميع الاكتسابات ، حتّى تصير منقادة مطمئنّة ، تصلح أن تخاطب ب
« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً »
« 1 » ، وقوله تعالى في سورة المعارج :
« تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا »
« 2 » . « 3 » وفي بعض نسخ الكتاب : « خمسين ألف سنة ممّا تعدّون » . ولعلّه كان في مصحفهم عليهم السلام كذلك ، أو بيان للمدّة ، أو اشتباه من الرواة ، أو النسّاخ .
قال البيضاوي :
الآية استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج ، وبعد مداها على التمثيل والتخييل ، والمعنى أنّها بحيث لو قدّر قطعها في زمان ، لكان في زمان يُقدّر بخمسين ألف سنة من سني الدُّنيا .
وقيل : معناه تعرج الملائكة والروح إلى عرشه في يوم كان مقداره كمقدار خمسين ألف سنة من حيث إنّهم يقطعون فيه ما يقطع الإنسان فيها ، لو فرض لا أنّ ما بين أسفل العالم وأعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة ؛ لأنّ ما بين مركز
هامش
( 1 ) . الفجر ( 89 ) : 27 و 28 .
( 2 ) . المعارج ( 70 ) : 4 .
( 3 ) . القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 136 و 137 .