وقوله عليه السلام : ( فلئن أمر الباطل فلقديماً « 1 » ما فُعِلَ ) ؛ شِبْهُ اعتذار لقلّة أهل الحقّ وكثرة أهل الباطل .
قال الفيروزآبادي : « أمر - كفرح - أمراً وأمرةً : كَثر ، وتمَّ . الأمر : اشتدّ . والرجل : كثُرت ماشيته . وآمره اللَّه وأمَرَهُ لُغيّة ، أي كثر نسلهُ وماشيته » . « 2 » وأقول : ينبغي قراءة « أمر » على اللغة الأولى على بناء الفاعل ، وعلى الثانية على بناء المفعول .
وقال بعض العلماء : لا يبعد أن يكون « أمّر » بتشديد الميم على البناء للمفعول ، من التأمير ؛ أي صار أميراً ، انتهى .
وفي القاموس : « التأمير : تولية الإمارة » « 3 » فتأمّل .
وقوله : « قديماً » منصوب على الظرفيّة على ما في بعض النسخ ، و « ما » زائدة لتأكيد معنى القدم ، والعامل في الظرف قوله : « فعل » على صيغة المجهول ، والمستتر فيه عائداً إلى الباطل ، والمراد أنّ كثرة الباطل في هذا الوقت بل في جميع الأوقات والأزمان ليست بديعة حتّى تستغرب ، أو يستدلّ بها على حقّيّته .
وقرأ بعضهم : « فعل » على صيغة المعلوم ، وقال : أي فَعَل الباطل ، ذلك نسب الفعل إلى الباطل مجازاً . « 4 » ( ولئن قلّ الحقّ فلربما ولعلّ ) . اللام الثانية موطئة للقسم ، وربّ للتعليل ، أو للتكثير ؛ أي فو اللَّه كثيراً ما أو أحياناً يكون الحقّ كذلك ، ولعلّه يعود كثيراً بعد قلّته وعزيزاً بعد ذلّته وغالباً بعد مغلوبيّته ، بنصر اللَّه وتأييده ، فلا ينبغي أن يؤيس من الحقّ في أوان فتوره وضعفه ، أو يستدلّ بقلّته على بطلانه ، وفي هذا الترجّي وَعْد بقوّة الحقّ وكثرته .
وبعض العلماء ضبط : « ولئن قُبِلَ الحقّ » ، وقال في شرحه : « أي ولعلّه يُقْبلَ ويغلب بنصر اللَّه وتأييده » . « 5 » ثمّ استبعد عليه السلام أن تعود دولة قوم بعد زوالها على سبيل التضجّر بقوله : ( ولقلّما أدبر شيء
هامش
( 1 ) . في المتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقاً : « لقديماً » بدون الفاء .
( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 365 ( أمر ) .
( 3 ) . راجع : القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 366 ( أمر ) .
( 4 ) . قاله المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي ، ج 26 ، ص 44 .
( 5 ) . انظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 156 .