وأقول أيضاً من السياق : أنّ المراد بالامّة الامّة العاصية ، وبالناس أهل الحقّ والعدل ، و « يردّون » من الردّ ؛ أي الامّة الضالّة يرجعون عن أمر اللَّه بمتابعته بعد رجوعهم عن أمر اللَّه وحكمه ، ويردّون على اللَّه أمره وحكمه ، ولا يقبلونه .
قال الفيروزآبادي : « ردّ عليه : لم يقبله وخطّأه » . « 1 » ويؤيّد ما ذكرناه قوله :
« بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا »
« 2 » من باب وضع الظاهر موضع الضمير ؛ للتصريح بظلمهم ، ووضعهم الباطل موضع الحقّ .
قال بعض المفسّرين في قوله تعالى :
« بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا »
: أي بدلًا من اللَّه إبليس وذرّيّته . « 3 » فجعلوا المخصوص بالذمّ شياطين الجنّ ، وقال عليه السلام : ( المخصوص بالذمّ ) .
( ولاية الناس ) أي الولاية التي اختاروها لأنفسهم بنَصب الجاهل .
( بعد ولاية اللَّه ) التي اختارها لهم من ولاية وليّ الأمر ، والظاهر أنّ إضافة الولاية في الأوّل إلى المفعول ، وفي الثاني إلى الفاعل .
( وثواب الناس ) عطف على « ولاية الناس » ؛ أي أجرهم ورضاهم ، وما في أيديهم من متاع الدنيا .
( بعد ثواب اللَّه ) أي بعد تركهم ثوابه ، يعني عطاءه وجزاءه ، أو بعد إعراضهم عنه ، وأصل الثواب : الجزاء .
( ورضا الناس بعد رضا اللَّه ) .
الرضا : ضدّ السخط . قال الجوهري : « رضيت عنه رِضاً ، مقصورٌ ، مصدر محض ، والاسم :
الرضاء ، ممدود » . « 4 » ( فأصبحت الامّة ) . اللام للعهد ، أي صارت الامّة العاصية الضالّة المضلّة .
( لذلك ) ، إشارة إلى صفاتهم الذميمة السابقة من نبذهم الكتاب وتغيير حدوده ونحوهما .
والظاهر أنّ الظرف خبر « أصبحت » ، والباء للاختصاص . وفي بعض النسخ : « كذلك » وهو أظهر .
هامش
( 1 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 294 ( ردد ) .
( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 50 .
( 3 ) . راجع : جامع البيان ، ج 15 ، ص 326 ؛ تفسير البغوي ، ج 3 ، ص 167 ؛ تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 504 .
( 4 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 2357 ( رضا ) .