الْأَلْبابِ »
« 1 » : عِبرة لهم » . « 2 » وقوله : ( ثمّ يعصي اللَّه ) أي يترك الأولى والأفضل ، وإطلاق العصيان عليه مجاز ؛ لكونه بالنسبة إلى درجة كمالهم بمنزلة العصيان .
( فيخرج به من الجنّة ) كآدم عليه السلام ( ويُنبذُ به ) أي يُلقى ( في بطن الحوت ) كيونس عليه السلام « 3 » . ولعلّ عصيانه غضبه على قومه ، وخروجه من بينهم ، وإباقه منهم بغير إذن ربّه .
( ثمّ لا يُنَجّيه إلّاالاعتراف والتوبة ) كقول آدم عليه السلام :
« رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا »
، « 4 » وكقول يونس عليه السلام :
« لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
. « 5 » وقيل : فيه حثّ بليغ لأرباب الذنوب على الاستغفار والتوبة والاعتراف بالتقصير ، وتحذير شديد لأصحاب المعاصي في العقائد والأعمال من غير بنائهما على علم ويقين ؛ فإنّ من تصوّر ما جرى على آدم ويونس عليهما السلام بالزلّة الواحدة والمعصية الصغيرة التي هي خلاف الأولى بالنسبة إلى الأنبياء ، يكون على وَجَل شديد من المعاصي العظيمة ، سيّما إذا تعاقبت وتكاثرت ، ويحكم بأنّها سبب تامّ للمنع عن دخول الجنّة ، فكيف يطمع دخولها مع بقائه على المعاصي ، وعدم تداركه بالتوبة ؟ ! « 6 » ( فاعرف أشباه الأحبار والرهبان ) أي الذين يتشبّهون بعلماء الأمم السابقة وزهّادهم وعبّادهم صورةً ، وليسوا منهم ، بل ماتوا ضالّين مضلّين ، أو أشباه الأحبار والرهبان الذين ذمّهم اللَّه في كتابه حيث أظهروا البدع ، وسعوا في تشييد قوانينها ، وكتموا الكتاب والسنّة ، واجتهدوا في تخريب أحكامها ومبانيها ، وفسّروا الكتاب بآرائهم ، وأوّلوه بأهوائهم ، وشروا الدُّنيا بالآخرة ، وأكلوا السحت وأموال الناس بالباطل ، وصدّوهم عن سبيل اللَّه .
( الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه ) صفة للأحبار والرهبان ؛ أي بإخفاء ما في التوراة
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 43 ؛ غافر ( 40 ) : 54 .
( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 35 ( ذكر ) .
( 3 ) . في الحاشية : « قال الفاضل الكاشي : أشار بالنبيّ من الأنبياء عليهم السلام إلى يونس ، على نبيّنا وعليه السلام . ثمّ قال : وأمّاإطلاقه الجنّة على الدنيا فلعلّ الوجه فيه أنّها بالإضافة إلى بطن الحوت جنّة من أكل منه ، فتأمّل » . الوافي ، ج 26 ، ص 93 .
( 4 ) . الأعراف ( 7 ) : 23 .
( 5 ) . الأنبياء ( 21 ) : 87 .
( 6 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 354 و 355 .