أو سبقت إليه تعالى من حيث الصدور ؛ فإنّ بداية وجود الخلق وكمالاته اللاحقة به من غير سبق استحقاق ، وأنّ نزول غضبه تعالى على العُصاة وعقوبته لهم بعد سلبهم قابليّة الرحمة عن أنفسهم سوء صنيعهم .
( فتمّت صدقاً وعدلًا ) أي كلمة كتابة سبق الرحمة الغضب والوعد بها وتقديرها ، أو تمّت هذه الكلمة كما في قوله تعالى :
« وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا »
. « 1 » قال البيضاوي : « أي بلغت الغاية أحكامه ومواعيده
« صِدْقاً »
في الأخبار والمواعيد
« وَعَدْلًا »
في الأقضية والأحكام » .
قال : « ونصبهما يحتمل الخبر ، والحال ، والمفعول له » . « 2 » وقيل : لعلّ المراد هنا بتماميّة صدق الرحمة ، وعدلها وقوعها موقعها على وجه الصواب ؛ إذ لا يتصوّر الخطأ من رحمته تعالى بخلاف رحمة الإنسان بعضهم بعضاً . « 3 » ثمّ إنّه عليه السلام أراد أن يشير بكيفيّة سبق الرحمة على الغضب ، فقال : ( فليس يبتدئ العباد ) بالنصب على أنّه مفعول « يبتدئ » ، وفاعله المستتر راجع إلى اللَّه .
( بالغضب قبل أن يُغضبوه ) من الإغضاب ؛ أي يفعلوا ما يوجب غضبه وعقابه ، وهذا بخلاف ابتدائهم بالرحمة كما مرّ .
( وذلك ) العلم المذكور ، يعني العلم بإيجاب غضبه على من لم يقبل منه رضاه ، إلى آخره ( من علم اليقين ) .
إضافة العلم إلى اليقين من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ؛ يعني أنّ ذلك كلّه من العلوم اليقينيّة التي لا ريب فيها .
( وعلم التقوى ) أي وذلك من العلم الذي يتّقى به من عذاب اللَّه ؛ إذ من أنكره وجهل به فهو كافر مستحقّ لعذابه ، أو علم يبعث النفس على التقوى ، أو علم هو من ثمرة التقوى ونتيجته التي لا تحصل إلّافي المطيع الخالص عن كدر شبهات الأوهام .
والظاهر أنّ قوله : ( وكلّ امّة ) مبتدأ ، وقوله : ( قد رفع اللَّه عنهم علم الكتاب ) نعت له .
وقوله : ( حين نبذوه ) ؛ أي طرحوه وراء ظهورهم ، ظرف مستتر خبره . وقيل : « كلّ امّة »
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 116 .
( 2 ) . تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 445 .
( 3 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 352 .