وقال بعض الشارحين :
ينبغي أن يعلم أنّ بناء الرشاد والتقوى على ثلاثة أمور :
الأوّل : قبول الهادي وهدايته ، وهو النبيّ والوصيّ عليهما السلام .
الثاني : قبول ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله من الأوامر والنواهي وغيرهما ، والتصديق بها .
الثالث : قبول ما أراد بالأوامر ، والنهي من العمل بالطاعات وترك المنهيّات ، والامتثال به .
فأشار إلى الثالث بقوله : ( وعلموا أنّ اللَّه - تبارك وتعالى - الحليم العليم ) .
قال : في ذكر هذين الوصفين ترغيب في قبول ما يلقى إليهم ؛ أمّا العلم فظاهر ، وأمّا الحلم فلأنّ أخذ الحليم شديد كما اشتهر : « اتّقوا من غضب الحليم » .
وقوله : ( رضاه ) ؛ أي ما يوجب رضاه .
وأشار إلى الثاني بقوله : ( وإنّما يمنع ) ؛ أي الرحمة والعطاء ( من لم يقبل منه عطاه ) ، وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله من دينه الحقّ ؛ لأنّه عطيّة منه تعالى على عباده ، متضمّن لمصالحهم .
أقول : لا وجه لتخصيص العطاء بما ذكر .
قال : وأشار إلى الأوّل بقوله : ( وإنّما يُضلّ « 1 » من لم يقبل منه هداه ) ؛ لأنّ من لم يقبل الهادي إلى الطريق وأعرض عن هدايته ، ضلّ عنه . « 2 » ( ثمّ أمكن أهل السيّئات ) .
قال الجوهري : « مكّنه اللَّه من الشيء وأمكنه [ منه ] بمعنى » . « 3 » ( من التوبة ) أي الرجوع من السيّئات والندم عليها .
( بتبديل ) سيّئاتهم ( الحسنات ) .
الظاهر أنّ الباء للتعليل ، وفاعل « التبديل » أهل التوبة ، أو اللَّه سبحانه ؛ أي جعل أهل السيّئات قادرين على التوبة متمكِّنين منها ؛ لأن يبدّلوا أو يبدّل اللَّه بها سيّئاتهم حسنات ، وهو إشارة إلى قوله تعالى :
« فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ »
. « 4 » وقيل : التبديل بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم ، أو بأن
هامش
( 1 ) . في الحاشية : « من الضلالة ، أو من الإضلال ؛ أي ضاع وهلك ، أو يضلّ اللَّه ويخذل . منه » .
( 2 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 351 .
( 3 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 2205 ( مكن ) .
( 4 ) . الفرقان ( 25 ) : 70 .