( ولُاعبَدنَّ في كلّ « 1 » مكان )
هذا نظير قوله تعالى :
« وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ »
« 2 » ؛ وذلك لمجيء الحقّ بظهور صاحب الأمر ، وارتفاع أعلامه ، وزهوق الباطل ودروس آثاره وأعوانه .
( ولُانزلنّ عليه قرآناً فرقاناً ) أي فارقاً بين الحقّ والباطل ، أو مفرّقاً في النزول منجّماً .
قال الجوهري : « فرّقت بين الشيئين أفرقُ فرقاً وفُرقاناً ، وقوله تعالى :
« وَقُرْآناً فَرَقْناهُ »
« 3 » ، مَن خفّف قال : بيّنّاه ، من فَرَقَ يفرق » . « 4 » وقال : « قرأت الكتاب قِراءةً وقُرآناً ، ومنه سُمّي القرآن . وقال أبو عبيدة : سمّي القرآن ؛ لأنّه يجمع السُّوَر فيضمّها » . « 5 » ( شفاء لما في الصدور من نَفث الشيطان ) .
الشفاء ، بالكسر : الدواء . و « من » بيان للموصول .
قال الجوهري : « النَّفث شبيه بالنفخ ، وهو أقلّ من التَّفل ، وقد نفث الراقي ينفِث وينفُث » « 6 » انتهى .
والمراد به هنا ما يخرج القلب عن استقامته واعتداله ، كمرض الجهل والكفر والشكّ والنفاق الحاصل من وسوسة الشيطان ، جعله بمنزلة الداء ، والقرآن بمنزلة الدواء .
( فصلِّ عليه يا بن عمران ؛ فإنّي اصلّي عليه وملائكتي ) أي فاعْتَنِ بإظهار فضله وشرفه ، وتعظيم شأنه ؛ فإنّي أعتني بذلك آناً فآناً دائماً .
( يا موسى ، أنت عبدي ، وأنا إلهك ) أي معبودك بالحقّ .
قيل : الغرض من هذا الإخبار تحريكه إلى الإتيان بحقيقة العبوديّة ، ورعاية حقوق الالوهيّة ، والانقطاع عن الغير . « 7 » ( لا تستذلّ الحقير الفقير ) .
الحقير : الصغير الذليل ، والفقير : ضدّ الغنيّ ، والمكسور فقار الظهر .
هامش
( 1 ) . في المتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقاً : « بكلّ » .
( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 39 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 106 .
( 4 ) . الصحاح ، ج 4 ، ص 1540 ( فرق ) .
( 5 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 65 ( قرأ ) .
( 6 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 295 ( نفث ) .
( 7 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 317 .