تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البضاعة المزجاة — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
يتنفّر عنها الطبائع ويستكرهها . ( ولا كلّ غائب يؤوب ) . الأوب والإياب : الرجوع ، وفعله كصان . ولعلّ الغرض الترغيب والاهتمام بأمور الآخرة ، وانتهاز الفرصة عند التمكّن من تحصيلها . أو التنفير عن أمور الدنيا وترك الحرص وتضييع العمر في طلبها ، أو هما جميعاً . والمراد بالغائب ما يقابل الحاضر ، سواء كان حاصلًا فغاب ، أو فقد ، أو لم يحصل بعد . وقيل : هذا الكلام يحتمل وجهين : أحدهما : أنّ ما مضى من عمرك لا يرجع ، فاغتنم ما بقي ، وتدارك ما فات . وثانيهما : أنّ الدنيا بعد انصرافها لا ترجع ، فاغتنم حضورها ، واعمل فيها للآخرة . « 1 » ( لا ترغب فيمن زهد فيك ) . في القاموس : « زهد فيه ، كمنع وسمع وكرم : ضدّ رغب ، زُهداً وزَهادة ، أو الزهادة في الدنيا والزهد في الدين » . « 2 » وأقول : لعلّ المراد : لا تطلب صحبة من لا يريد صحبتك ، ويتنفّر عنك من أهل الدنيا . ولعلّه بحسب المفهوم دلّ على الرغبة في راغب فيك ، ويدلّ عليهم صريحاً قول أمير المؤمنين عليه السلام في موضع آخر : « زُهدك في راغب فيك نُقصان حظّ ، ورغبتك في زاهد فيك ذُلّ نفس » . « 3 » ويحتمل أن يراد ترك الدنيا والفرار منها ؛ فإنّها تفرّ عن كلّ من رغب إليها . ( ربّ بعيد هو أقرب من قريب ) . « ربّ » للتكثير . ولعلّ المراد أنّ كثيراً من الأمور التييستبعدها الإنسان كالموت والمصائب ، بل بعض النعم الدنيويّة والاخرويّة قريب منه وهو لا يعلم . وربّ أمر يظنّه قريباً ويستقربه ، ولا يتيسّر له وإن بذل جهده في تحصيله . وقيل : فيه تنبيه على أنّ البعيد يصير بالإحسان وحسن المعاشرة أقرب من القريب ، أو
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 235 . ( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 298 ( زهد ) . ( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 555 ، الحكمة 451 .
البضاعة المزجاة — صفحة 282 | محمد حسين بن قارياغدي / حميد الأحمدي الجلفائي