يتنفّر عنها الطبائع ويستكرهها .
( ولا كلّ غائب يؤوب ) .
الأوب والإياب : الرجوع ، وفعله كصان .
ولعلّ الغرض الترغيب والاهتمام بأمور الآخرة ، وانتهاز الفرصة عند التمكّن من تحصيلها . أو التنفير عن أمور الدنيا وترك الحرص وتضييع العمر في طلبها ، أو هما جميعاً .
والمراد بالغائب ما يقابل الحاضر ، سواء كان حاصلًا فغاب ، أو فقد ، أو لم يحصل بعد .
وقيل : هذا الكلام يحتمل وجهين :
أحدهما : أنّ ما مضى من عمرك لا يرجع ، فاغتنم ما بقي ، وتدارك ما فات .
وثانيهما : أنّ الدنيا بعد انصرافها لا ترجع ، فاغتنم حضورها ، واعمل فيها للآخرة . « 1 » ( لا ترغب فيمن زهد فيك ) .
في القاموس : « زهد فيه ، كمنع وسمع وكرم : ضدّ رغب ، زُهداً وزَهادة ، أو الزهادة في الدنيا والزهد في الدين » . « 2 » وأقول : لعلّ المراد : لا تطلب صحبة من لا يريد صحبتك ، ويتنفّر عنك من أهل الدنيا .
ولعلّه بحسب المفهوم دلّ على الرغبة في راغب فيك ، ويدلّ عليهم صريحاً قول أمير المؤمنين عليه السلام في موضع آخر : « زُهدك في راغب فيك نُقصان حظّ ، ورغبتك في زاهد فيك ذُلّ نفس » . « 3 » ويحتمل أن يراد ترك الدنيا والفرار منها ؛ فإنّها تفرّ عن كلّ من رغب إليها .
( ربّ بعيد هو أقرب من قريب ) .
« ربّ » للتكثير . ولعلّ المراد أنّ كثيراً من الأمور التييستبعدها الإنسان كالموت والمصائب ، بل بعض النعم الدنيويّة والاخرويّة قريب منه وهو لا يعلم .
وربّ أمر يظنّه قريباً ويستقربه ، ولا يتيسّر له وإن بذل جهده في تحصيله .
وقيل : فيه تنبيه على أنّ البعيد يصير بالإحسان وحسن المعاشرة أقرب من القريب ، أو
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 235 .
( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 298 ( زهد ) .
( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 555 ، الحكمة 451 .