تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البضاعة المزجاة — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
التقوى اسم من التُقى بالضمّ ، وهي الحذر ، أصله « تَقْيا » ، قلبوا الياء واواً ؛ للفرق بين الاسم والصفة ؛ فإنّ رَيّا « 1 » مؤنّث ريّان ، لم تبدل فيها من الياء واو ؛ لأنّها صفة . وبعضهم عرّف التقوى بالتجنّب عن المعاصي ، والتنزّه عمّا يشغل القلب عنه تعالى ، وهي أكمل ما ينفع في الدنيا والآخرة . قال اللّه عزّ وجلّ :
« تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى »
« 2 » ، ولذلك ذكر عليه السلام بعد الوصيّة بها غايتين للترغيب فيها : الأولى : أنّها لعظم ثوابها في الآخرة ، يتمنّى الناظر إليها منزلة صاحبها . الثانية : أنّها واقية تقي صاحبها من المكاره والعقوبات الدنيويّة والاخرويّة . فأشار إلى الأولى بقوله : ( فإنّها غبطة الطالب الراجي ) . في القاموس : « الغِبطة بالكسر : حسن الحال ، والمَسَرّة ، والحسد . وقد غبطه كضربه وسمعه ، وتمنّى نعمة على أن لا تتحوّل من صاحبها ، فهو غابط » « 3 » انتهى . يعني أنّ الطالب لثواب اللّه الراجي لرحمته يغبط ويتمنّى ويطلب التقوى . قال بعض الشارحين : لعلّ المقصود أنّ التقوى غبطة لطالب ثواب اللّه الراجي له ، ونعمة عظيمة توجب علوّ منزلته ، ورفع درجته إلى حدّ يتمنّى الناظر إليه منزلته . ثمّ قال : « وإنّما جعلنا الطالب مغبوطاً ؛ لأنّ إضافة الغبطة إليه بتقدير اللام المفيدة للاختصاص يقتضي ذلك » « 4 » انتهى ، وهو كما ترى . وأشار إلى الثانية بقوله : ( وثقة الهارب اللاجي ) . في القاموس : « وثق به - كورث - ثقة ومَوثقاً : ائتمنه ، والوَثيق : المحكم » « 5 » انتهى . وقد يطلق الثقة ويراد بها الوَثيق . والمعنى : الهارب من عقاب اللّه اللاجي إلى اللّه إنّما يثق بالتقوى لدفع المكاره الدنيويّة
هامش
( 1 ) . رَيّا كلّ شيء : طيب رائحته . لسان العرب ، ج 14 ، ص 350 ( روي ) . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 197 . ( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 375 ( غبط ) . ( 4 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 199 . ( 5 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 287 ( وثق ) .
البضاعة المزجاة — صفحة 196 | محمد حسين بن قارياغدي / حميد الأحمدي الجلفائي