( أخرجه اللّه من صفة الحقّ ، ولم يجعله من أهلها ) . الجملة صفة أحد من الناس ، أو استئناف في جواب من يسأل عن علّة النهي . قيل : إنّما نسب الإخراج من صفة الحقّ - وهي القول بالولاية إلى اللّه تعالى - لعلمه أزلًا بعدم اتّصاف بها ، واضطراب قلبه من قبولها ، فأخرجه منها ، ولم يجعله من أهلها جبراً ؛ لأنّ الجبر مناف للحكمة ، ومنه يظهر إلزامه تعالى قلب أحد طاعته وصفة الحقّ ؛ لأنّه لمّا علم منه قبولها اختياراً وفّقه لقبولها ، ونصره عليه ، وهذا معنى الإلزام ، فانتفى الجبر في الموضعين ، وملك كلّ أحد ماله باختياره . « 1 » ( فإنّ من لم يجعله « 2 » اللّه من أهل صفة الحقّ ، فأولئك شياطين الإنس والجنّ ) .
قيل : الظاهر أنّه تعليل لقوله : « لا يعرفنّ أحد منكم من أحد من الناس » ؛ لتضمّنه معنى الشيطنة التي تقتضي الحذر منهم بالتقيّة .
وحينئذ يكون قوله : ( فإنّ لشياطين الإنس ) بياناً وتفصيلًا لما تضمّنه معنى الشيطنة ، ويحتمل كونه تفصيلًا وبياناً لإثبات معنى آخر للمخرجين من صفة الحقّ ، وهو التمرّد والشيطنة . « 3 » ولعلّ المراد بمَن الموصولة الإنس والجنّ ، فمعنى حملهاعليها شياطين الإنس إن كانوا من الإنس ، وشياطين الجنّ إن كانوا من الجنّ .
ويحتمل أن يراد بها الإنس خاصّة ، فحمل شياطين الجنّ عليها من باب التشبيه في الشيطنة ، أو إشارة إلى إلحاقهم بشياطين الجنّ بعد موتهم ، كما قاله بعض المفسّرين في قوله تعالى :
« يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ »
« 4 » . « 5 » ( حيلة ومكراً وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض ) .
الحيلة : الحَذق ، وجودة النظر ، والقدرة على التصرّف .
هامش
( 1 ) . القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 172 و 173 .
( 2 ) . في الطبعة القديمة للكافي والمتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقاً : « لم يجعل » .
( 3 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 173 .
( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 128 .
( 5 ) . في الحاشية : « في سورة الأنعام :« يا مَعْشَرَ الْجِنِّ »يعني الشياطين« قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ »أي من إغوائهم وإضلالهم ، أو منهم جعلتموهم أتباعكم ، فحشروا معكم ، كقولهم : استكثر الأمير من الجنود . البيضاوي » . تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 452 . وانظر للمزيد : التبيان للطوسي ، ج 4 ، ص 272 ؛ تفسير مجمع البيان ، ج 4 ، ص 161 ؛ تفسير الثعلبي ، ج 4 ، ص 190 ؛ تفسير السمعاني ، ج 2 ، ص 144 .