الشبهة الثانية : أنّ الاستطاعة للفعل قد تكون مع تركه ، كما في قوله تعالى :
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا »
« 1 » فإنّ كثيراً ممّن يجب عليه الحجّ لا يحجّ .
وجوابها : أنّ الاستطاعة هنا مستعملة في غير ما اصطلحتم عليه كما مرّ في بيان عنوان الباب .
الشبهة الثالثة : أنّ الرضا بقضاء اللَّه تعالى واجب ، ولو كان الكفر بقضائه ، لوجب الرضا به ، لكنّ الرضا بالكفر كفر .
وجوابها : أنّ الكفر ليس نفس القضاء ، بل متعلّق القضاء ، فنحن نرضى بالقضاء لا بالمقضيّ .
واعلم أنّ هذا الجواب لا يمكن أن يتمسّك به مَن يفسّر القضاء بالإيجاد كالأشاعرة ، ولا من يفسّره بالعلم .
أمّا الأوّل ، فلأنّه لا يتصوّر حينئذٍ انفكاك الرضا بالقضاء عن الرضا بالمقضيّ .
وأمّا الثاني ، فلأنّ العلم من صفات الذات ، وليس من صفات الأفعال حتّى يتصوّر فيه رضاً وسخط .
قيل : هذا الجواب ليس بشيء ، فإنّ القائل رضيت بقضاء اللَّه لا يعني به رضاه بصفة من صفات اللَّه ، إنّما يريد به رضاه بما يقتضي تلك الصفة وهو المقضيّ .
والجواب الصحيح أنّ الرضا بالكفر من حيث هو من قضاء اللَّه طاعةٌ ، ولا من هذه الحيثيّة كفر . انتهى . « 2 »
وفيه : أنّ قوله : « لا يعني » إلى آخره ، ممنوع ، وهو مبنيّ على تفسير هذا القائل القضاءَ بالعلم ، وهو باطل ؛ فإنّ الأوّل من صفات الفعل ، والثاني من صفات الذات ، وقياس صفة الفعل على صفة الذات أيضاً ظاهر البطلان . وقوله : « الرضا بالكفر من حيث » إلى آخره
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 97 .
( 2 ) . في حاشية « أ » : « القائل المحقّق الطوسي في تلخيص المحصّل في مسألة أنّه تعالى مريد لجميع الكائنات ( منه ) » . تلخيص المحصّل ، ص 281 .