الشرّ ، ويعطيهم قوّة الشهوة والثروة والملك والصحّة ونحو ذلك من المقرّبات إلى النار وسوء العاقبة ، ويستدرجهم ، ويمكر بهم ، والأب الحكيم الرؤوف بولده لا يفعل ذلك به وإن صدر عنه كلّ قبيح .
وثالثاً : الحلّ بأنّ هذا قياس مع الفارق ، فإنّ رأفة الأب والامّ غالبة على علمهما وحكمتهما ، بخلاف اللَّه تعالى الخالق لكلّ شيء ، والمُعطي لكلّ شيء ما يليق به من الخلق ، هل رأيت أباً حكيماً رؤوفاً قتل ولده الصغير بدون ذنب ولا عجز عن نفقته ، واللَّه تعالى يميت الأطفال بعد ما يبتليهم بأنواع الأمراض ؛ قال تعالى في سورة النحل :
« وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ »
« 1 » فليس على اللَّه تعالى إلّا الأصلح بمعنى الأوفق للحكمة في نفس الأمر في كلّ من طرفي النقيض ، كما ذهب إليه معتزلة بغداد ، « 2 » ولا يعلمه إلّاهو ، وليس عليه الأصلح للعباد بمعنى الأنفع لهم ، كما توهّمه معتزلة البصرة ، « 3 » فإنّه ربّما كان مخالفاً للحكمة التي لا يعلمها إلّاالخلّاق للعالمين ، فكان ظلماً أي وضعاً للشيء في غير موضعه
« وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 4 »
« وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ »
، « 5 » وأين الأب من هذا ؟ إنّما رأفته تبعثه على فعل فيه نفع الولد ، غافلًا عن جميع الجهات الغير المتناهية في فعله هذا ، فلا يجوز هذا القياس ؛ قال تعالى في سورة النحل :
« أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ » .
« 6 »
ومنها : أنّ فعل اللطف الناجع إزاحة لعذر المكلّف ، فوجب كالتمكين .
والجواب : منع أنّ كلّ لطف ناجع إزاحة كالتمكين ، وما كان من اللطف إزاحة لا يعتبر في وجوبه عليه تعالى أن يكون ناجعاً ، كما مرّ في تحرير محلّ النزاع .
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 9 .
( 2 ) . المغني في أبواب العدل والتوحيد ، ص 116 .
( 3 ) . المصدر .
( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 182 .
( 5 ) . المؤمنون ( 23 ) : 71 .
( 6 ) . النحل ( 16 ) : 17 .