من « كتاب الإيمان والكفر » . وذلك لأنّ الوجوب بالنسبة إلى العلم والتدبير وجوب لاحق ، لا سابق ؛ فهذا يدلّ على تجدّد الحوادث باعتبار صدوره عنه مع قدرته ، وإلّا لم يكن قادراً على تغيير الترتيب .
وفي بعض النسخ « من يشاء » بدل « ما يشاء » في الموضعين ، وهو كقوله تعالى :
« تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ »
« 1 » . وينبغي إرجاعه في هذا المقام إلى ما يناسب ما ذكرنا .
إن قلت : يجيء في « كتاب الحجّة » في الثالث والعشرين من « مولد النبيّ صلى الله عليه وآله » من أبواب التاريخ : « أنّ عبد المطّلب أوّل من قال بالبداء » . « 2 »
قلت : لعلّ المراد أنّه أوّل من استعمل هذه اللفظة في غير معناها اللغوي ، أي في اللَّه تعالى ؛ أو أوّل من عرفه بدون توقيف .
الخامس :
( مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ زُرَارَةَ ، عَنْ حُمْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) في سورة الأنعام :
(
« قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ »
« 3 » ؟ قَالَ : هُمَا أَجَلَانِ : أَجَلٌ مَحْتُومٌ ، وَأَجَلٌ مَوْقُوفٌ ) .
الأجل : عمر الإنسان ونحوه .
والمراد أنّ الأوّل محتوم ؛ لأنّه قضى ، وإذا قضى اللَّه شيئاً أمضاه ، فلم يبق له تعالى فيه البداء وصار مبرماً ، كما يجيء في آخر الباب وذلك لأنّه لمن مضى ، والقدرة على ما مضى غير معقول .
والثانيَ موقوف ؛ لأنّه لمن بقي ولمن يأتي . والمراد بالموقوف ما لم يُقض بعدُ ، ولكنّه مسمّى ، أي معيّن في علم اللَّه أنّه سيقع ، وما لم يقع بعدُ لم يخرج عن القدرة .
و « مسمّى » وصفٌ للمبتدأ النكرة ، والظرف خبر ، أو خبرٌ والظرف متعلّق به .
والمقصود أنّ الفرق بين الأجلين بذلك يدلّ على البداء ، وإلّا فكلّ من الأجلين محتوم .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 26 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 447 ، ح 23 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 2 .