( وأما الظَّاهِرُ ، فَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَا الْأَشْيَاءَ بِرُكُوبٍ فَوْقَهَا ، وَقُعُودٍ عَلَيْهَا ، وَتَسَنُّمٍ لِذُرَاهَا ، وَلكِنْ ذلِكَ لِقَهْرِهِ وَلِغَلَبَتِهِ الْأَشْيَاءَ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ : ظَهَرْتُ عَلى أَعْدَائِي ، وَأَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلى خَصْمِي ، يُخْبِرُ عَنِ الْفَلْجِ ) ؛ بفتح الفاء وسكون اللام والجيم ، مصدر باب نصر وضرب : الظفر . « 1 »
( وَالْغَلَبَةِ ، فَهكَذَا ظُهُورُ اللَّهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ ) ؛ يعني أنّ « الظاهر » موضوع لغةً لأمرين :
الأوّل : العالي على شيء بركوب ونحوه . والثاني : البارز بنفسه المعلوم بحدّه ، « 2 » وشئ من الأمرين ليس مشتركاً بين اللَّه وخلقه ، ثمّ اطلق على أمرين مأخوذين من المعنيين مشتركين بين اللَّه وخلقه ؛ معنى الأوّل : الغالب ، وهو مأخوذ من العالي ، والثاني : مَن لا يخفى وجوده على الناظر فيه ، وهو مأخوذ من البارز بنفسه . وإلى الثاني أشار بقوله :
( وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِمَنْ أَرَادَهُ ، وَلَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِكُلِّ مَا يُرى « 3 » ) ؛ بصيغة المضارع المجهول من باب منع . والمراد ب « ما يرى » النظام المشاهَد في السماوات والأرضين وما بينهما .
( فَأَيُّ ظَاهِرٍ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى ؟ لِأَنَّكَ لَاتَعْدَمُ صَنْعَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ ، وَفِيكَ مِنْ آثَارِهِ مَا يُغْنِيكَ ، وَالظَّاهِرُ مِنَّا الْبَارِزُ بِنَفْسِهِ ، وَالْمَعْلُومُ بِحَدِّهِ ، فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ وَلَمْ يَجْمَعْنَا الْمَعْنى ) ؛ فإنّ مصداق ظهور الخلق علوّه مكاناً ونحو ذلك ، أو جسميّته ومقداره وأجزاؤه ، بخلاف ظهوره تعالى .
( وأما الْبَاطِنُ ، فَلَيْسَ عَلى مَعْنَى الِاسْتِبْطَانِ لِلْأَشْيَاءِ بِأَنْ يَغُورَ فِيهَا ، وَلكِنْ ذلِكَ مِنْهُ عَلَى اسْتِبْطَانِهِ لِلْأَشْيَاءِ عِلْماً وَحِفْظاً وَتَدْبِيراً ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَبْطَنْتُهُ ، يَعْنِي خَبَرْتُهُ ) ؛ بالمعجمة والموحّدة ومهملة كنصرته ، أي اختبرته .
( وَعَلِمْتُ مَكْتُومَ سِرِّهِ ، وَالْبَاطِنُ مِنَّا الْغَائِبُ فِي الشَّيْءِ ، الْمُسْتَتِرُ ، وَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ ،
هامش
( 1 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 335 ؛ معجم مقاييس اللغة ، ج 4 ، ص 448 ( فلج ) .
( 2 ) . انظر النهاية ، ج 3 ، ص 164 ( ظهر ) .
( 3 ) . في الكافي المطبوع : « ما برأ » .