وأنّ عبداً ليس بمعنى عابد ، وقد يُقال : إنّ اسم عبد مناف بن قصيّ كان منافاً ، فغيّره بعض الناس لمصلحة ، قال الفرزدق :
ورثتم قناة « 1 » الملك غير كلالة « 2 » * عن ابني مناف « 3 » : عبد شمس وهاشم « 4 »
وإنّما احتيج إلى هذا النوع لئلّا يلزم بطلان قاعدة من قواعد الإسلام .
بيان ذلك : أنّ من قواعد الإسلام أنّ الاختلاف بين الناس - أي اختلافاً حقيقيّاً مستقرّاً - لا يمكن رفعه إلّابرسول وكتاب من اللَّه تعالى ، فيتوهّم الخصم ويقول : إنّ بيننا وبينكم هنا اختلافاً حقيقيّاً بعد نظر كلٍّ منّا ومنكم ، وليس في شيء من دلائلكم على وجود الصانع تمسّك بقول رسول ، ولا بكتاب من اللَّه ، إمّا لاستلزامه الدور حقيقة ، وذلك إذا توقّف العلم بالرسول والكتاب على العلم بوجود الصانع حقيقة ، وإمّا لإيهامه الدور ظاهراً ، وذلك إذا توقّف ظاهراً لا حقيقةً .
فيجب أن يُجاب الخصم بأنّ الاختلاف هنا بيننا وبينكم ليس حقيقيّاً مستقرّاً ، ونظيره قوله تعالى في سورة آل عمران :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ »
« 5 » ، فإنّه لمّا كان الإسلام ردَّ المختلف فيه اختلافاً حقيقيّاً مستقرّاً إلى محكمات كتاب اللَّه ، احتيج إلى قوله :
« وَمَا اخْتَلَفَ »
إلى آخره ، لدفع الاحتياج في رفع الاختلاف في مدلول محكمات الكتاب الناهية عن اتّباع الظنّ بالاجتهاد إلى محكمات أخرى ، وكتابٍ آخَرَ ؛ لئلّا يلزم الدور أو التسلسل .
هامش
( 1 ) . القناة : الرمح .
( 2 ) . في حاشية « أ » : الكلالة من لا ولد له ولا والد ، وما لم يكن من النسب لحا ، أو من تكلل نسبه بنسبك كابن العمّ وشبهه ، أو الإخوة للُامّ ، أو بنو العمّ الأباعد ، أو ما خلا الوالد والولد ، أو في من العصبة من ورث معه الإخوة للُامّ . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 46 ( كل ) .
( 3 ) . في حاشية « أ » : عبد مناف أبو هشام وعبد شمس ، والنسبة إليه منافي .
( 4 ) . أحكام القرآن للجصّاص ، ج 2 ، ص 113 ؛ تفسير الثعلبي ، ج 3 ، ص 270 ؛ مفردات غريب القرآن للراغب ، ص 438 ؛ الصحاح ، ج 5 ، ص 1811 ( كلك ) .
( 5 ) . آل عمران ( 3 ) : 19 .