وعن أنّ استكشاف سرّ قدر اللَّه تعالى ليس في مقدور البشر ، وعن أنّ من يجب معه معلوله بالوجوب السابق لا جود « 1 » له في الإعطاء أيضاً ، بل لا إيجاد له أصلًا كما بيّنّاه آنفاً ؛ فزعمهم هذا فوق كلّ تعطيل .
ويدلّ على ما ذكرنا أنّ دلائل الكتاب والسنّة في هذا المقام ليس فيها شيء من هذه المناهج ، والأخصريّةُ ونحوها لو سلّمت فإنّما ترجّح إذا كان المقصود بالاستدلالين واحداً ، فليُذكَر بيان وجوب الوجود في باب بيان الصفات ، فإنّه لازم بيّن لصانع العالم ، فإنّه يجب أن يكون منزّهاً عن كلّ نقص ، والإمكان الذاتي رأس كلّ نقص .
إن قلت : لِمَ لا يصرّح في بعض دلائل هذا الباب بمصنوعيّة كلّ جزء من العالم ، وإنّما يصرّح فيه بمصنوعيّة شيء من العالم للَّهتعالى ، كحركة الشمس والقمر ، وكالموت والحياة وأمثال ذلك ممّا هو مذكور في الكتاب والسنّة ؟
قلت : لأنّه لا حاجة إلى التصريح ؛ لظهور بطلان القول بأنّ بعض العالم مصنوع بالمعنى الذي ذكرنا ، وبعضَه غير مصنوع ، ولذا لم يقل بالفرق أحد من الزنادقة ، وما صُرّح بمصنوعيّته من العالم في بعض الدلائل أمرٌ يكون المصنوعيّة فيه أظهرَ ، فإنّما ذكر ليعلم مصنوعيّة الباقي بالاعتبار السهل التناول بعد فتح الباب .
الأوّل :
( أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، قَالَ ) . هذه الفقرة من زيادة تلامذة المصنّف رحمه اللَّه تعالى ، كما مضى في أوّل كتاب العقل .
( حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ ، قَالَ : قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ : كَانَ بِمِصْرَ زِنْدِيقٌ ) ؛ بكسر الزاي وسكون النون وكسر المهملة وسكون الخاتمة والقاف ، معرّب « زن دين » « 2 »
هامش
( 1 ) . في « أ » : « لا وجود » .
( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 242 ؛ تاج العروس ، ج 13 ، ص 201 ( زنديق ) . وانظر فتح الباري ، ج 12 ، ص 238 .