إن قلت : لم يستند المخالفون إلى الكثرة المطلقة ، بل إلى الكثرة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وأهل الإسلام ، وهم الذين قال تعالى فيهم :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ »
« 1 » .
قلت : بعدما ثبت بالظواهر أنّ الكثرة مذمومة لا يجوز استثناء كثرة منها إلّابدليل ، ولم يتحقّق هناك ، والخطاب في الآية للنبيّ وأهل بيته ؛ إنّما الخطاب لأكثر الأصحاب في أمثال قوله تعالى في سورة الأعلى :
« بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا »
« 2 » وفي سورة آل عمران :
« أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ »
« 3 » ، وبيانه في « كتاب الروضة » بعد حديث عليّ بن الحسين عليه السلام مع يزيد لعنه اللَّه « 4 » ، وبعد حديث نوح صلّى اللَّه عليه « 5 » ، وهم الذين قال فيهم :
« وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً »
« 6 » وأمثاله ، فإنّ الجمع والعكس لا يحتمله عاقل .
( فَقَالَ ) في سورة الأنعام :
(
« وَإِنْ تُطِعْ )
. خاطب النبيّ صلى الله عليه وآله ، والمراد غيره ، كما في قوله في سابقه :
« فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ »
« 7 » . وقيل : المراد هو وغيره . « 8 » انتهى .
والمراد بالإطاعة العمل بالفتوى في نفس حكم شرعي ، فإنّها المسمّاة سبيل اللَّه حقيقة ، والمذكورة سابقاً في قوله :
« وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ »
« 9 » .
( أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ )
أي مجموع الأكثر من حيث إنّهم الأكثر ومخالفهم أقلّ ، أو أيّ واحدٍ كان منهم ؛ والمآل واحد . والاستغراق في « من » على الأوّل حقيقي إذا أريد بالأرض ما توطّن فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وأصحابه ، أو ما يبلغ إليك خبر أهلها وأحكامهم في
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 110 .
( 2 ) . الأعلى ( 87 ) : 16 .
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 144 .
( 4 ) . الكافي ، ج 8 ، ص 235 ، ح 313 .
( 5 ) . الكافي ، ج 8 ، ص 267 ، ح 392 .
( 6 ) . الجمعة ( 62 ) : 11 .
( 7 ) . البقرة ( 2 ) : 147 .
( 8 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 4 ، ص 145 .
( 9 ) . الأنعام ( 6 ) : 115 .