( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ »
« 1 »
)
. فيه أيضاً التشبيه ، أي هم مُعجَبون برأي أنفسهم ، ولا ينتفعون بما علموا من أنّ التمدّن والتعيّش لا يمكن إلّابترك الإعجاب بالرأي ، ليحصل الاتّفاق على رئيس عاقل مطاع ، تجتمع به الكلمة ، ويرتفع به الشتات ، فيترك كلّ أحد رأي نفسه ، ويتبع رأيه في الحروب وغيرها ، بل من المجرّب أنّ السفيه المطاع أنظم للتمدّن من عاقل لا يطاع .
( وَقَالَ ) في سورة البقرة :
(
« وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ )
وتتركونها من البرّ كالمنسيّات .
( وَأَنْتُمْ )
يا بني إسرائيل
( تَتْلُونَ الْكِتابَ )
: التوراة وفيها الوعيد على مخالفة القول والعمل ، أو فيها بيان الحقّ ، فأنتم تعلمون الحقّ ، فلِمَ لا تعملون بما تأمرون به الناس من اتّباع الحقّ المعلوم ؟
( أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
« 2 »
)
أي أبعد تصدّركم لأمر الناس ونهيهم لا تعلمون ما في الكتاب الذي تتلونه ، فلا تعرفون قبح صنيعكم ، مع أنّه لا يصلح لهذا التصدّر إلّاالعالم بما في الكتاب .
ويحتمل أن يُراد أبعد الأمر بالبرّ لا تعلمون أنّه برّ ، مع أنّه يشترط في الأمر بالمعروف العلم بأنّه معروف ، ولا يكفي الظنّ .
( يَا هِشَامُ ، ثُمَّ ذَمَّ اللَّهُ الْكَثْرَةَ ) . هذا من النوع الرابع ؛ استدلّ المخالفون على طريقتهم بأنّا الكثرة والجماعة ، وأنّكم قليلون لا يُعبأ بكم ، ولا بخلافكم ، فادّعوا الإجماع في كلّ ما يختصّ بهم . « 3 »
والمراد بذمّ الكثرة ، ذمّ الأكثر لا على الكثرة ، فإنّه ليس فعلًا اختياريّاً لأحد ، بل على ما هم عليه من اتّباع الظنّ في أحكامهم في الشرع ، أو ذمّ اتّباع الأكثر ، فالكثرة إن لم تكن أمارة للبطلان ليست دلالة ولا أمارة على الحقّيّة .
هامش
( 1 ) . الحشر ( 59 ) : 14 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 44 .
( 3 ) . انظر : المستصفى للغزالي ، ص 142 ؛ والمنخول ، ص 399 ؛ والمحصول للرازي ، ج 4 ، ص 19 .