فأتاهم من عنداللَّه بما لم يكنْ في وُسْعِهِم مثلُهُ ، وما أبْطَلَ به سحرَهم ، وأثْبَتَ به الحجّةَ عليهم ، وإنّ اللَّهَ بَعَثَ عيسى عليه السلام في وقتٍ قد ظهرَتْ فيه الزماناتُ ، واحتاجَ الناسُ إلى الطبّ ، فأتاهم من عنداللَّه تعالى بما لم يكن عندهم مثلُه ، وبما أحيا لهم الموتى ، وأبرَأَ الأكمَهَ والأبرصَ بإذن اللَّه تعالى ، وأثبَتَ به الحجّةَ عليهم . وإنّ اللَّه تعالى بعث محمّداً صلى الله عليه وآله في وقتٍ كان الغالبُ على أهل عصره الخُطَبَ والكلامَ - وأظنُّه قال : الشعر - فأتاهم من عند اللَّه تعالى من مواعظه وحِكَمِه ما أبطلَ به قولَهم ، وأثْبَتَ به الحجّةَ عليهم » .
قال : فقال ابنُ السكّيتِ : تاللَّهِ ما رأيْتُ مثلَكَ قطُّ ، فما الحجّةُ على الخلق اليومَ ؟ قال :
شرح
وقوله عليه السلام : ( وأثبت به ) أي بما أتاهم من عند اللَّه . و « الزمانات » بفتح الزاي المعجمة جمع الزمانة وهي العاهة ، أي الآفات والأمراض .
وقوله عليه السلام : ( واحتاج الناس إلى الطبّ ) فبالغوا في تحصيله .
وقوله عليه السلام : ( فآتاهم من عند اللَّه بما لم يكن عندهم مثله ) أي آتاهم بسبب دعائه بإذن اللَّه من عند اللَّه بما لم يكن عندهم مثله من دفع الأمراض والأسقام ، وبما أحيا لهم الموتى ، وبما أبرأ الأكمه والأبرص ، فيكون الصحّة وإحياء الأموات وإبراء الأكمه والأبرص من فعل اللَّه تعالى بتوسّط دعاء عيسى عليه السلام ، وذلك الدعاء معلّق على إذنه تعالى ، ونسبة تلك « 1 » الأفعال إلى عيسى عليه السلام مجاز باعتبار سببيّة دعائه عليه السلام ، وكذا الحال في سائر المعجزات وخوارق العادات ؛ فإنّها جميعاً من أفعال اللَّه تعالى بسبب دعاء الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وإنّما يكون دعاؤهم بإذن اللَّه تعالى كما قال في سورة الرعد :« وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ »« 2 » ، وفي سورة إبراهيم :« وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ »« 3 » ، وكذا الحال في كرامات الأولياء والأئمّة عليهم السلام .
وقول الراوي : ( وأظنّه قال : الشعر ) يعني وأظنّه ضمّ الشعر ، وقال : الخطب والكلام والشعر .
وقوله : ( فما الحجّة على الخلق اليوم ؟ ) أي فما الحجّة للإمام على إثبات إمامته على امّة
هامش
( 1 ) . في النسخة : « ذلك » .
( 2 ) . الرعد ( 13 ) : 38 ؛ غافر ( 40 ) : 78 .
( 3 ) . إبراهيم ( 14 ) : 11 .