عزّ وجلّ خلق العقلَ - وهو أوّلُ خَلْق من الروحانيّين - عن يمين العرش من نوره ،
شرح
أقول : لعلّ المراد بالعقل هاهنا المعنى الثاني ، أي النفس الناطقة الإنسانيّة ، وبالجهل - الذي ضدّه في الاقتضاء - هو القوّة الشهويّة والغضبيّة الحيوانيّة والوهم ، كما مرّ في شرح الحديث الأوّل .
وقوله عليه السلام : ( وهو أوّل خلق من الروحانيّين ) أي أوّل مخلوق من الروحانيّين الذين ليسوا بجسم ولا جسماني في هذا العالم ، أي عالم العناصر ، وكونه فيه باعتبار أنّ متعلّقه كائن فيه في غاية الظهور .
والمراد بالأوّليّة التقدّم بالرتبة وبالشرف ، ولا يبعد أن يؤخذ بالزمان أيضاً ، بناءً على أن تكون النفوس مخلوقة قبل حدوث الأبدان ، كما يظهر من الأحاديث ؛ يعني هو أعلى وأشرف بل أسبق زماناً من سائر الروحانيّين الذين في هذا العالم كنفوس الجانّ ، فإنّها أيضاً مجرّدة عن المادّة في ذواتها ، وإلّا لم يكّن مدركة للكلّي ، فلم يصحّ تكليفهم ، كما لا يخفى على من له بصيرة .
أو معناه : أنّه هو أوّل خلق عالم العناصر ، أي أعلى وأشرف خلق هذا العالم ، فالتنوين عوض من المضاف إليه ، وكونه منه باعتبار أنّ متعلّقه منه ، وحينئذٍ فقوله : « من الروحانيّين » عطف على قوله : « أوّل خلق » بتقدير العاطف ، أي وهو من الروحانيّين .
والروحاني - بضمّ الراء - مشتقّ من الروح بضمّها بزيادة الألف والنون نسبةً إلى الملك ، وبفتح الراء بمعنى الطيب ، وعلى التقديرين المراد بالروحانيين هاهنا المجرّدات .
وقوله عليه السلام : ( عن يمين العرش ) أي عن سنخ يمين العرش ومن قبيله وهو نفسه المجرّدة ، وحينئذٍ يساره نفسه المنطبعة . ولا يخفى لطف التعبير عن الأولى باليمين ، وعن الثانية باليسار .
وقوله عليه السلام : ( من نوره ) أي كائن وموجود من نوره ؛ لأنّه مسبّب عن نوره ، مشروط « 1 » به ، فقال له : أدبِرْ فأدبَرَ ؛ ثمّ قال له : أقبِلْ فأقبَلَ ؛ فقال اللَّه تبارك وتعالى : خلقتُكَ خلْقاً عظيماً ،
هامش
( 1 ) . في النسخة : « مشروطة » .