وكرّمتُكَ على جميع خلقي » . قال : « ثمّ خلَق الجهلَ من البحر الأُجاج
شرح
وهو العقل بالمعنى الأوّل الذي هو الجوهر المجرّد عن المادّة في ذاته وفعله ، ويعبّر عنه بلسان الشرع بالملك ، ووجه التعبير « 1 » عنه بنوره أنّه سبب وشرط لظهور الأشياء وصدورها عنه تعالى ، كما أنّ ضوء الشمس ونوره مثلًا شرط لإبصار المبصرات ، وظهورها عند الحسّ .
ويحتمل أن يكون المراد أنّه خلقه من عالم نوره ، أي من عالم الملائكة والعقول المقدّسة ، باعتبار تجرّده الذاتي وإدراك المعقولات واقتضاء الخيرات وإن كان مبايناً لهم باعتبارات اخر كالتعلّق بالبدن « 2 » وغير ذلك .
ويحتمل أن يكون المراد أنّه خلقه من نور معرفته كنايةً من أنّه خلقه قابلًا لنيل معرفته ، وللتميز بين الحقّ والباطل ، أو خلقه من نور هدايته كنايةً من أنّه جعله قابلًا للهداية ، أو جعله آلةً لهداية صاحبه يهدي اللَّه به من يشاء ، كما جعل الجهل آلة لضلالة صاحبه ، ويضلّ به من يشاء .
وهذا الوجه الأخير بناء على أن يكون المراد بالعقل المعنى الثالثَ منه ، أي صفةالنفس من القوّة النطقيّة لا نفسها كما سيجيء ، وبالجهل عدم تمكّن النفس من استعمالها كما ينبغي إمّا للعوائق الطبيعيّة ، أو لغلبة أضدادها من الوهم وقوّتَي « 3 » : الشهويّة والغضبيّة ، وعلى هذا فإجراء الأوصاف السابقة على تلك القوّة على سبيل التوسّع باعتبار اتّصاف محلّها وملزومها بها .
وقوله عليه السلام : ( فقال له : أدبر فأدبر ، ثمّ قال له : أقبل فأقبل ) قد مضى شرحه مستوفى ، وفي الحديث الأوّل عكس هذا الترتيب ولا ضير فيه ، كما لا يخفى على المتأمّل .
وقوله تعالى : ( وكرّمتك على جميع خلقي ) أي جميع خلقي في هذا العالم .
وقوله عليه السلام : ( ثمّ جعل الجهل من البحر الأجاج ) قد مرّ معنى الجهل آنفاً .
ظلمانيّاً ، فقال له : أدبِرْ فأدبَرَ ؛ ثمّ قال له : أقبِلْ فلم يُقْبِلْ ، فقالَ له : استكبرتَ ، فلَعَنَهُ ، ثمّ جعل
هامش
( 1 ) . يمكن أن تقرأ : « التغيير » .
( 2 ) . في النسخة : « بالبدل » .
( 3 ) . في النسخة : « القوّتي » .