الذكرُ الأوّل ، فَتَعْلَمُ ما الإرادةُ ؟ » قلتُ : لا ، قال : « هي العزيمةُ على ما يشاء ، فَتَعْلَمُ ما القَدَرُ ؟ » قلتُ : لا ، قال : « هي الهَنْدَسَةُ ووَضْعُ الحدودِ من البقاء والفَناء » ، قال : ثمّ قال :
« والقضاء هو الإبرامُ وإقامةُ العينِ » . قالَ : فَاسْتَأذَنْتُهُ أن اقَبِّلَ رأسَه ، وقلتُ : فَتَحْتَ لي شيئاً كنتُ عنه في غفلةٍ .
5 . محمّد بن إسماعيلَ ، عن الفضل بن شاذان ، عن حَمّاد بن عيسى ، عن إبراهيمَ بن عُمرَ اليمانيّ ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَعَلِمَ ما هم صائرون إليه ، وأمَرَهم ونَهاهم ، فما أمَرَهم به من شيءٍ فقد جَعَلَ لهم السبيلَ إلى تَرْكِه ، ولا يكونونَ
شرح
عند الملّيين ، وإثباتها معظم أصولهم ، وأوّل مسألة خلافيّة يتكلّم فيها في صفاته تعالى ، فبهذا الاعتبار قيّده بالأوّل .
ويحتمل أن يكون الذكر بمعنى الثناء ، وحينئذٍ فالمراد ما يثنى به ، أي أوّل ما يثنى به اللَّه تعالى .
وقوله : ( هي العزيمة على ما يشاء ) أي هي العزيمة على ما يقدر . والهندسة على وزن دحرجة مشتقّ من الهنداز معرّب « انداز » فأبدلت الزاي سيناً ؛ لأنّه ليس في كلام دالٌ بعدها زاي ، فالهندسة معرّب « اندازه » أي المقدار ، وقد عرفت أنّ المراد بالقدر تعلّق الإرادة ، ولمّا كان إرادة اللَّه تعالى تعلّق في الأزل بإيجاد الحادث - سواء كان من أفعال العباد أو غيرها - في وقت معيّن على قدر معيّن بتعيّن زمان بقائها وزمان فنائها وأمثال ذلك بذلك المتعلّق للإرادة ، فكشف عن حال السبب - أعني التعلّق - بذكر مسبّباته وقال : ( هي الهندسة ) إلخ .
وقوله : ( والقضاء هو الإبرام وإقامة العين ) أي هو إحكام المراد ، وإقامة عينه ، أي إيجاده .
وإنّما قال : ( فتحت عليّ شيئاً كنت عنه في غفلة ) لتوهّمه أنّ تعلّق قدرته وإرادته تعالى بالمعاصي قبيح ، أو يوجب الجبر ، فلمّا علم حقيقة الحال ، علم أنّهما يتعلّقان بكلّ كائن بدون جبر وقبح .
قوله عليه السلام : ( فقد جعل لهم السبيل إلى تركه )
وذلك هو القدرة والإرادة المؤثّرة للعبد وإن لم تكونا مستقلّتين بالتأثير ، فهذا الكلام ردّ على المجبّرة ، والفاء يدلّ على أنّه يندفع بذلك شبهة المجبرة وتمسّكهم بالعلم الأزلي ،