تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ »
وقال :
« وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
.
شرح
بأسهم إذا حارب بعضهم بعضاً ، بل لقذف اللَّه تعالى الرعب في قلوبهم« تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً »« 1 » أي مجتمعين متّفقين« « وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى »« 2 » » أي متفرّقة لا يتّبع بعضهم رأي بعض ؛ لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم ،« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ »« 3 » ما فيه صلاحهم من اتّفاقهم واتّباعهم لرئيس عاقل مطاع يجتمع به الكلمة ، ويرتفع به الشتات ، ومن المجرّب أنّ السفيه المطاع أنظم للتمدّن من عاقل لا يطاع ، بل هم مُعجَبون برأي أنفسهم ، وذلك يوجب الشتات ، ويخلّ بنظم التمدّن والتعيّش .
وقوله عليه السلام : ( وقال ) أي في سورة البقرة ، وقوله تعالى :« وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ »« 4 » أي تتركونها من البرّ كالمنسيّات« وَأَنْتُمْ »« 5 » يا بني إسرائيل« تَتْلُونَ الْكِتابَ »« 6 » أي التوراة ، وفيها بيان الحقّ ، فأنتم تعلمون الحقّ ، فلِمَ لا تعملون ؟« أَ فَلا تَعْقِلُونَ »« 7 » أي ليس لكم عقل كامل ؛ لترككم الثواب الباقي ؛ لأجل الحطام الفاني ، والاستفهام تقريري .
ولمّا يتوهّم هاهنا أنّه لمّا تبيّن من الآيات السابقة أنّ العقلاء - أي الكاملين منهم - يتّبعون الحقّ ، فإذا ذهب أكثر الناس إلى مذهب ، فيكون ذلك المذهب حقّاً ؛ لوجود العقلاء فيهم ، ومن ذلك يلزم بطلان ما ذهب إليه الأقلّ كالفرقة الإماميّة مثلًا ، فدفع عليه السلام هذا الوهم بقوله :
« ثمّ ذمّ اللَّه الكثرة » إلخ ، والمراد بالكثرة الكثير ؛ إطلاقاً للمبدأ وإرادةً للمشتقّ . « 8 »
وحاصله أنّ وجود العقلاء الكاملين في أكثر الناس غير لازم حتّى يلزم حقّيّة مذهب الأكثر ، وبطلان مذهب الأقلّ ، بل أكثر الناس لا يعقلون ، وقليلهم يعقلون .
أمّا دليل الأوّل ، فهو أنّ اللَّه تعالى ذمّ الأكثر فقال في سورة الأنعام خطاباً إلى النبيّ عليه السلام :
هامش
( 1 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 2 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 3 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 44 .
( 5 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 6 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 7 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 8 ) . قارن مرآة العقول ، ج 1 ، ص 49 .