يا هشام ، ثمّ ذكر اولي الألبابِ بأحسنِ الذكرِ ، وحَلّاهم بأحسن الحِلْيَةِ ، فقال :
« يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا
شرح
ثمّ بعد دفع التوهّم عاد عليه السلام إلى المقصود ، وقال : ( ثمّ ذكر اولي الألباب ) أي ذوي العقول الخالصة عن شوائب الوهم ، والركون إلى متابعة « 1 » الهوى .
وقوله عليه السلام : ( وحلّاهم بأحسن الحِلية ) أي زيّنهم بأحسن الحلية ، وهي - بكسر الحاء المهملة - ما يزيّن به من مصوغ المعدنيّات والحجارة ، جمع حليّ ؛ والمراد بها هاهنا الصفة الجميلة ؛ يعني وصفهم بالجميل بأحسن الصفة الجميلة .
وقوله عليه السلام : ( فقال ) أي في سورة البقرة :« يُؤْتِي الْحِكْمَةَ »« 2 » أي يعطي كمال قوّتي « 3 » :
النظريّة والعمليّة من النفس بحصول العقل بالفعل ، والأخلاق الحسنة ، سواء كان ذلك الإعطاء بتوفيق الاستكمال به ، أو بحسب الفطرة والخلقة كحكمة النبيّ والأئمّة عليهم السلام .
وقوله تعالى :« مَنْ يَشاءُ »« 4 » مفعول أوّل ل « يُؤتي » اخّر للاهتمام بالمفعول الثاني .
وقوله تعالى :« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ »« 5 » بناء للمفعول ؛ لأنّه المقصود ، وقراءة يعقوب « 6 » بالكسر أي ومن يؤته اللَّه الحكمة« فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »« 7 » أي خير كثير يدّخر له في الدارين .
وقوله تعالى :« وَما يَذَّكَّرُ »« 8 » أي وما يتّعظ بما قُصّ من الآيات ، أو ما يتفكّر ؛ فإنّ المتفكّر كالمتذكّر ؛ لما أودع اللَّه في قلبه من العلوم بالقوّة ، أو ما ينبّه للفرق بين من أوتي الحكمة ومن لم يُؤت إلّااولوا العقول الخالصة عن شوائب الوهم ومتابعة « 9 » الهوى ، وفيه دلالة على أنّه لا
هامش
( 1 ) . في النسخة : « مبالغة » . والمثبت من مرآة العقول ، ج 1 ، ص 52 . .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 269 .
( 3 ) . في النسخة : « القوّتي » .
( 4 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 5 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 6 ) . قال في التبيان ، ج 2 ، ص 348 ومجمع البيان ، ج 2 ، ص 193 : « قرأ يعقوب من يؤت - بكسر التاء - والباقون بالفتح » .
( 7 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 8 ) . تتمّة الآية السابقة .
( 9 ) . في النسخة : « مشايعة » . والمثبت من مرآة العقول ، ج 1 ، ص 52 .