فيما عَلِمَ متى شاء ، وفيما أرادَ لتقدير الأشياء ، فإذا وقَع القضاءُ بالإمضاء فلا بداءَ ، فالعِلْمُ في المعلوم قبلَ كَوْنِه ، والمشيئةُ في المنشَأ قبلَ عينه ، والإرادةُ في المراد قبلَ قيامه ، والتقديرُ لهذه المعلوماتِ قبلَ تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً ، والقضاءُ بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ، ذَوات الأجسامِ المدرَكاتِ بالحواسّ من ذَوِي لونٍ وريحٍ ووزنٍ وكَيْلٍ وما
شرح
والإنشاء ؛ يعني إيجاد الحوادث وإيقاع الوقائع على الترتيب الواقع في الزمان ولم يعلم أحد من خلقه بصدور بعضها عنه ، بل ربّما يظنّ بعدم صدوره ، وكذا نسخ بعض الأحكام وإنزال ما ينسخه ، بل نسخ بعض مراتب الوجود السابقة ببعض المراتب اللاحقة في الأعيان كما مرّ بيانه .
( فيما عَلِمَ متى شاء ) يعنى إنّما يكون ذلك البداء فيما يكون معلوماً للَّهتعالى متى شاء وقَدَر بتخفيف الدال ( وفيما أراد لتقدير الأشياء ) أي لأجل تعلّق إرادته بإيجاد الأشياء .
والحاصل أنّ البداء إنّما يكون في معلوماته تعالى في مرتبة القدرة والإرادة وتعلّقها ، فأمّا بعد وقوع ( القضاء بالإمضاء ) أي بعد إيجاد الحوادث ووقوع الوقائع وتحقّق النسخ وحين وجودها وبقائها ( فلا بداء ) أي لا إيجاد ولا إحداث ولا نسخ ؛ لاستحالة تحصيل الحاصل .
ولا يختصّ العلم بها بالواجب تعالى ؛ لأنّ بعد تحقّق ذلك الأشياء يعلم بها غيره أيضاً ، فقوله : « فللَّه تبارك وتعالى البداء » إلى قوله : « فالعلم بالمعلوم » جملة معترضة يناسب ذكرها في أثناء الجواب .
وقوله : ( فالعلم بالمعلوم ) إلى قوله : ( فللَّه تبارك وتعالى فيه البداء ) تتمّة للجواب .
والمقصود أنّ العلمَ والمشيّة - أي القدرة والإرادة - والتقدير - أي تعلّق الإرادة - كلّها مقدّم على كون الحادث ووجوده تقدّماً ذاتياً وزمانياً معاً . وأمّا القضاء بالإمضاء - يعني الإيجاد اللازم للإبقاء - فإنّما هو مع وجود الحادث في الزمان وإن كان مقدّماً عليه بالذات .
و ( المبرم ) إمّا مصدر ميمي بمعنى الإبرام والإحكام على سبيل المبالغة ، وإمّا اسم فاعل ، أي المتقِن والمحكم . و « من » للتبعيض ، أي هو المحقّق لوجود بعض ( المفعولات ذوات الأجسام ) ووجه التخصيص بهذا القسم من المفعولات لفرط ظهورها وتيقّن وجودها عند المخاطبين .