شرح
والاتّحاد بالمعنى المختصّ بالجسمانيات كالاتّصال وما في معناه لا يجري في الواجب ؛ لما ثبت من تجرّده وتنزّهه عن لوازم الأجسام ، وإن أريد به معنىً آخر ، فلا يمكن إثباته ولا نفيه إلّابعد تصويره .
وقال صاحب المطارحات بعد نفي الاتّحاد :
بلى لا مانع عن أمرٍ أقُولُه وهو أنّ النفس وإن لم تكن في البدن لكن لمّا كان بينهما وبين البدن علاقةٌ شديدةٌ أشارت إلى البدن ب « أنا » حتّى أنّ أكثر النفوس نسيت أنفسَها وظنّت أنّ هويّاتها هي البدن ، كذلك « 1 » لا مانع من أن يحصل للنفس مع الباري « 2 » علاقةٌ شوقيّةٌ نوريّةٌ لاهوتيّةٌ يحكم عليها شعاعٌ قيّوميٌ طامسٌ يمحو عنها الالتفات إلى شيء بحيث تشير إلى مبدئها ب « أنا » إشارةً روحانيّة ، فيستغرق الإنّيات [ في النور الأقهر الغير المتناهي ] « 3 » انتهى .
وأقول : هذا معنى قول المحقّقين من الصوفيّة : إنّ السالك إذا انتهى سلوكه إلى اللَّه تعالى وفي اللَّه ، استغرق « 4 » في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحلّ ذاته في ذاته ، وصفاته في صفاته ، ويغيب عن كلّ ما سواه ، ولا يرى في الوجود إلّااللَّه . وهذا الذي يسمّونه الفناء في التوحيد ، وإليه يشير الحديث القدسي : أنّ العبد لا يزال يتقرّب إليّ حتّى [ احبّه فإذا ] أحببته كنت سمعه الذي به يسمع ، وبصره الذي به يبصر « 5 » . وحينئذٍ ربّما يصدر عنه عبارات تشعر بالحلول والاتّحاد ؛ لقصور العبارة عن تلك الحال ، وتعذّرِ الكشف عنها بالمقال ، وليس ذلك منهما في شيء أصلًا ، ونحن على ساحل التمنّي نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ،
هامش
( 1 ) . في المصدر : « فكذلك » .
( 2 ) . في المصدر : « المبادئ » .
( 3 ) . كتاب المشارع والمطارحات ، في المشرع السابع ( مجموعهء مصنّفات شيخ اشراق ) ، ج 2 ، ص 501 - 502 وما بين المعقوفين منه .
( 4 ) . في شرح المقاصد : « يستغرق » .
( 5 ) . تقدّم تخريجه في ص