شرح
نقول : هذا الاحتمال إنّما يجوّزه العقل إذا اعتبر استناد بعض الممكنات إلى بعض مفصّلًا بأن يلاحظ هذا من ذاك ، وذاك من ذلك وهلم جرّاً ، فإنّ « 1 » بهذا الطريق لا يحيط بجميعها ؛ لعدم تناهيها ، ولا يظهر الخلف عنده .
وأمّا إذا لاحظ جميعها إجمالًا وتذكّر أنّ شيئاً منها لا يحصل بالفعل ما لم يحصل واحد آخر بالفعل ، فلا يشكّ في أنّه ما دام للطرف حكم الوسط لا يحصل شيء منها بالفعل حتّى يحصل منه شيء آخر ، فلا يوجد شيء من الممكنات أصلًا ؛ فافهم .
تذنيب :
لمّا ثبت وجود الواجب بالذات الحقّ الأوّل ، فنقول : إنّ الواجب بالذات لا بدّ أن يكون بسيطاً ؛ لأنّ كلّ مركّب ممكنٌ على ما مرّ ، ويجب أن يكون غير متناهي الفعل والتأثير ؛ فإنّ فعله تعالى لو لم يكن غير متناهٍ من جانب الأزل ، فلا ريب في أنّه لا آخر ولا نهاية له من جانب الأبد ، وأن لا يكون فعله زمانياً ، وإلّا لما يصدر عنه ما يسبق وجوده على الزمان ، وأن لا يكون متغيّراً ، وإلّا لكان له مغيّر وهو محال ، وأن لا يمكن معرفته ، ولا يحصل حقيقته في ذهن من الأذهان على ما مرّ إليه إشارة ، وأن لا يكون له مهيّة كلّيّة ، وإلّا لكان ممكناً ؛ لما مرّ ، وأن لا يكون له بالقوّة أصلًا لا في ذاته ولا في صفاته ، كيف ؟ وهو الموجود البحت كما مرّ ، وأن لا يكون له صفات زائدة على ذاته وإلّا لكان فاعلًا وقابلًا معاً وهو ممتنع ، وأن لا يكون تأثيره بالوضع ، وإلّا لما صدر عنه المادّة والصورة الجسميّة كما مرّ ، وأن يكون عالماً بالكلّيّات والجزئيّات بوجه يليق بشأنه ؛ لما حقّق في موضعه ، وأن يكون غير متناهية في الكمال والمجد والعظمة ؛ لما بيّن في مظانّه ، وأن لا يتصوّر وقوعه على خلاف ما هو عليه في الواقع ، وإلّا يلزم الترجّح بلا مرجّح . ولا يخفى على اولي النهى أنّ الأجسام مركّبة من المادّة والصورة متناهي الفعل « 2 » والتأثير ، متغيّر يمكن معرفتها ، لها مهيّات كلّيّة ليست بالفعل في حدّ ذواتها ، وصفاتها زائدة عليها ،هامش
( 1 ) . كذا .
( 2 ) . في النسخة : « العقل » .