الكشف الوافي في شرح أصول الكافي — صفحة 572
النمط الثالث : وهو أيضاً ممّا ابتدعته ، فأقول : لو انحصر الموجود في الممكن وذهبت سلسلة الممكنات إلى غير النهاية ، يجوز في الواقع عدم تلك السلسلة الواقعة بالفعل بأن يكون كلّ واحد من أجزاء هذه السلسلة المفروضة بدلًا عمّا يناسبه من أجزاء تلك الجملة المتحقّقة بالفعل ، ففي وقوع هذه السلسلة - الواقعة المتحقّقة بالفعل واختصاصها بالوجود والتحقّق ، دون السلسلة المفروضة المغايرة لها مع إمكان أن يقع في نفس الأمر الجملة المفروضة ، ولا يقع الجملة الموجودة رأساً - لا بدّ من مرجّح معيّن مخصّص لها بالوجود والوقوع ، خارج عنها ، وإلّا لترجّح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجّح ، هذا خلف . والمرجّح الخارج عن جميع الممكنات هو الواجب بالذات تعالى شأنه . فإن قيل : إمكان وجود ممكنات أخرى بالوجه الذي ذكرته بدلًا عمّا هو الواقع في الواقع ممنوع ، بل ما هو واقع في الواقع من الأفلاك والكواكب والعناصر وغيرها بالوجه الذي وقعت عليه كمّاً وكيفاً وكمالًا أو نقصاً هو الذي يمكن وجوده ، ولا يمكن وجود ما هو مغاير لها أصلًا . قلت : الكلام في الإمكان الذاتي ، ومنعه مكابرة سيّما إذا كانت المخالفة والمغايرة بالتشخّصات والعوارض ، أو الكمال والنقص ؛ لأنّ كلّ ما له مهيّة مغايرة لموجوديّته يجوز بالنظر إلى ذاته ومهيّته أن يكون له أفراد اخر مغايرة للفرد الواقعي في الهويّة ، أو المرتبة ، أو غير ذلك ؛ إذ لو كانت ممتنعة ، امتنع ذلك الفرد الواقعي أيضاً ؛ لمشاركته معها في تمام المهيّة ، والمشارك في تمام المهيّة والحقيقة للممتنع ممتنع بالضرورة . فإن قلت : يلزم على تقدير وجود الواجب وانتهاء سلسلة الممكنات إليه ترجّح بلا مرجّح أيضاً ؛ لأنّه إذا جاز وجود ممكنات أخرى بدلًا عن هذه الممكنات الموجودة فلِمَ اختارها على غيرها ؟ قلت : يجوز أن يكون اختياره لها دون غيرها لحكمة ومصلحة خفيّة ، وعلى تقدير عدم الواجب - تعالى عن ذلك - لا يمكن أن يقال مثل ذلك ؛ لأنّه إذا جاز تبدّل كلّ الموجودات