شرح
أحدهما : ما ذهب إليه المتكلّمون وهو صحّة الفعل والترك . وقال : ذلك مناط المحمدة واللائمة .
وثانيهما : ما ذهب إليه الحكماء وهو كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل . وقال : ذلك المعنى أعمّ من المعنى الأوّل ، وحمل دخول الكبير في الصغير دخولًا لا يوجب كون الكبير صغيراً ، ولا كون الصغير كبيراً في الأحاديث المذكورة جميعاً على الدخول بحسب الوجود العيني ، وحمل القدرة التي نفيت عن ذلك الدخول - كما في الحديثين المرويّين عليه السلام - على القدرة بالمعنى الأوّل ، وحمل القدرة التي أثبتت عليه - كما في هذا الحديث وفي مثله - على القدرة بالمعنى الثاني . وقال : إنّه تعالى إن شاء محالًا كان المحال ممكناً في نفسه وفعله ؛ فإنّ صدق الشرطيّة لا ينافي استحالة الطرفين ، سواء كانا محالين في نفسهما ، أو لغيرهما ، أو أحدهما محالًا في نفسه والآخر لغيره . ونظير هذا أنّه قيل لعالم : هل لو عذّب اللَّه الأطفال كان ظالماً ؟ قال : لا بل كان الأطفال بالغين .
ولا يخفى أنّ هذه الشرطيّة غير صادقة في حقّ من يمكن فيه نقص من جهة من الجهات فتخصيصه عليه السلام الرؤية والعدسة بالذكر لمناسبة السؤال لا لتوقّف البيان عليه . انتهى .
ولا يذهب عليك أنّ كلّ من فسّر القدرة بهذا المعنى لا يجوز تعلّقها بالمحال ، على أنّه حينئذٍ يلزم اختلال نظم الحديث ؛ لأنّ ما هو مناط الجواب من بيان معنى القدرة لا أثر له فيه ، وما لا دخل له فيه من ذكر الرؤية والعدسة مذكور فيمقام الجواب ؛ فتأمّل . ثمّ شرح الحديث بوجه آخر حيث قال :
إنّه عليه السلام عرف أنّ مقصود الدَيَصاني ليس ما يفهم من ظاهر اللفظ ؛ لأنّ كونه محالًا في نفسه ظاهر على مثله ، وإنّما مقصوده طلب نظير ذلك كما يكون في الألغاز والأحاجي وهي اغلوطة يتعاطاها الناس بينهم للامتحان ، فالجواب حينئذٍ أنّه تعالى قادر على أن يخلق كالناظر جسماً على قدر البيضة يرى جميع الأجسام الموجودة الآن دفعة واحدة . انتهى .