شرح
قوله تعالى :« رَبِّ الْعالَمِينَ »« 1 » وقوله :« وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ »« 2 » وأمثالهما ، وذلك هو التوحيد العقلي الذي استدلَّ الحجج عليهم السلام عليه بالبراهين العقليّة ، ومن جملتها برهان التمانع الذي يكشف عنه قوله تعالى في سورة الأنبياء :« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »« 3 » وذلك معنى قول المحقّقين من الحكماء : « لا مؤثّر في الوجود إلّااللَّه » .
وقد خالف في ذلك فِرقٌ أعظمُها الثنويّةُ ؛ فإنّهم قالوا : نجد في العالم خيراً كثيراً ، وشرّاً كثيراً ، والواحد لا يكون خيّراً وشرّيراً ، فلكلّ منهما فاعل على حدة ، والمانويّةُ والديصانيّة منهم قالوا : فاعل الخير هو النور ، وفاعل الشرّ هو الظلمة ، وقالوا : النور حيّ عالم قادر سميع بصير ، والظلمة ميّت جاهل موجَب لا يسمع ولا يبصر ، والمجوسُ منهم ذهبوا إلى أنّ فاعل الخير هو يزدان ، وفاعل الشرّ هو أهرمن ، ويعنون به الشيطان .
والجواب منع لزوم كون الواحد خيّراً وشرّيراً ؛ يعني من يغلب خيره على شرّه ، وشرّه على خيره ؛ لأنّ اللازم إنّما هو صدور الخير الكثير والشرّ الكثير عنه . وأمّا غلبة شرّه على خيره فممتنع ، بل إنّما يصدر عنه تعالى الخير المحض والخير الغالب ، ولا يصدر عنه الشرّ المحض ولا الشرّ الغالب ، فهو - جلّ ذكره - خيّر محض وليس بشرّير .
والثالث : نفي الشريك في الوجوب الذاتي ، يدلّ عليه سورة التوحيد ، وقوله تعالى في سورة المؤمن :« لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »« 4 » ، وقوله تعالى في سورة الزمر :« سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ »« 5 » ونحو ذلك ؛ لأنّ لفظ « اللَّه » عَلَم للذات المستجمع لجميع صفات الكمال ، المتنزّه عن جميع النقائص ، وذلك لا يكون إلّاالواجب بالذات ، لما ثبت في موضعه من أنّ الواجب بالذات ذاته كافٍ فيما له من الصفات ، وأنّ الإمكان الذاتي - الذي هو علّة الاحتياج إلى الغير في الوجود - نقص ، فكلّ ما هو واجب بالذات ذات مستجمع لجميع
هامش
( 1 ) . وردت الآية في مواضع كثيرة من التنزيل العزيز .
( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 111 .
( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 22 .
( 4 ) . غافر ( 40 ) : 16 .
( 5 ) . الزمر ( 39 ) : 4 .