لا يَحسَبُ العلمَ في شيء ممّا أنكَرَ ، ولا يَرى أنّ وراء ما بلغ فيه مذهباً ، إن قاس شيئاً بشيء لم يُكذِّبْ نظرَه ، وإن أظلم عليه أمرٌ اكْتَتَمَ به ؛ لما يعلم من جهل نفسه ، لكيلا يقال له : لا يعلم ، ثمّ جَسَرَ فقضى ، فهو مفتاح عَشَواتٍ ، رَكّابُ شبهاتٍ ، خبّاطُ جهالاتٍ ،
شرح
والقياسات الفاسدة والروايات الباطلة .
وقوله عليه السلام : ( لا يَحسَبُ العلمَ في شيء ممّا أنكر ) أي لا يحسب أن يكون لأحد العلم في شيء ممّا أنكره ولا يعلمه .
وقوله عليه السلام : ( ولا يَرى أنّ وراء ما بلغ فيه ) أي من جميع الجهالات وخلط الشبهات ، أو مرتبة قضائه وفتوائه ( مذهباً ) .
وقوله عليه السلام : ( إن قاس شيئاً بشيء لم يُكَذِّبْ نظرَه ) أي في جواز العمل بالقياس ؛ لاعتقاده أنّ ما يستدلّ به على جواز العمل بمطلق القياس تمام . وفي هذه الفقرة إشارة إلى كمال وهن القياس .
وقوله عليه السلام : ( وإن أظلم عليه أمرٌ ) أي لا يحصل في ذهنه منه شيء أصلًا ، ولا يقع نظره فيه على شيء من الشُبَه والأوهام والمآخذ الفاسدة حتّى يستدلّ بشيء منها على ذلك الأمر بزعمه ( اكْتَتَم به ) أي سَتَرَهُ ، فالباء للتقوية « لما يعلم من جهل نفسه لكي لا يقال له : لا يعلم » ذلك الأمر ، ولم يظهر جهله به .
( ثمّ ) بعد ما كان على هذا الحال ( جَسَرَ ) أي جَرَأَ إذا رُجِع إليه في هذه المسألة المجهولة المكتومة على الأمر الخطير من القضاء بالحكم بين الناس ، أو الإفتاء ( فقضى ) بأحد الوجهين ممّا يجري على لسانه مع خلوّ ذهنه عنها بالكلّيّة .
وقوله عليه السلام : ( فهو مفتاح عَشَوات ) جمع العشوة - وهي بتثليث المهملة وتسكين المعجمة - : أن يركب المرء أمراً يجهله ولا يعرف وجهه . مأخوذ من عشوة الليل وهي ظلمته . وهذا ناظر إلى قوله : « وإن أظلم عليه » إلخ .
وقوله عليه السلام : ( رَكّابُ شبهاتٍ ) ناظر إلى قوله : « وإن خالف » إلى قوله : « وإن أظلم » .
وقوله عليه السلام : ( خبّاطُ جهالاتٍ ) ناظر إلى قوله : « قمش جهلًا » فالنشر على خلاف ترتيب اللفّ .