يَغْنَ فيه يوماً سالماً ، بكَّرَ فاستَكْثَرَ ، ما قَلَّ منه خيرٌ ممّا كَثُرَ ، حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ واكْتَنَزَ من غير طائل جَلَسَ بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره ،
شرح
العقلي والتفكّر والتدبّر في الأمور وعواقبها ، فهؤلاء لعدم تميزهم يسمّونه عالماً ، ومن له أدنى تميز يعدّه من أجهل الجهّال .
وقوله عليه السلام : ( ولم يَغْنَ فيه يوماً سالماً ) قال في النهاية الأثيريّة : « في حديث عليّ : ورجل سمّاه الناس عالماً ، ولم يغن في العلم يوماً سالماً أي لم يلبث في العلم يوماً تامّاً ، من قولك :
غَنيْتُ بالمكان [ أغني ] ، إذا أقمتَ فيه « 1 » » انتهى .
وفي نسخة : « لم يعنِ » بالمهملة أي لم يهتمّ في العلم يوماً تامّاً ، بل يصرف أوقاته على قَمش الجهل والاشتغال بالفتنة .
وقوله عليه السلام : ( بكّر فاستكثر ) التبكير : الإتيان في أوّل اليوم ، تقول : استكثرتُ من الشيء ، إذا أكثرتَ منه ، يعني بادر وسارع كلّ يوم إلى تحصيل الجهالات وجمعها ، فاستكثر وحصّل كثيراً منها .
وقوله عليه السلام : ( ما قلّ منه خيرٌ ممّا كثر ) جملة معترضة ، أي ما قلّ صدوره من ذلك الرجل ، ولم يهتمّ به كسائر أفعاله أيّ فعلٍ كان خير ممّا كثر صدوره منه ، واهتمّ به من قَمش الجهل والاشتغال بالفتنة ، فعدمه خير من وجوده .
وقوله عليه السلام : ( حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ ) متعلّق بقوله : « بكّر » و « استكثر » والارتواء : الشرب من الماء بقدر الحاجة . والآجن : الماء المتغيّر الطعم واللون . شبّه الجهالاتِ بالآجن ، وقَمشَها وجمعَها بقدر يكفيه باعتقاده بالارتواء .
وقوله عليه السلام : ( واكتنز ) أي اجتمع وامتلأ ( من غير طائل ) أي من غير نافع ، يعني ممّا لا نفع فيه .
وقوله عليه السلام : ( جلس بين الناس قاضياً ) أي حاكماً ماضياً نافذاً حكمه .
وقوله عليه السلام : ( ضامناً لتخليص ما التبس على غيره ) أي ضامناً لتخليص الحقّ الملتبس
هامش
( 1 ) . النهاية ، ج 3 ، ص 392 ( غنا ) .