لا يقدح في أن يكون مراد فاعله في إيجاده ودواعيه وغير ذلك .
فإذا علمت هذا ، فقد علمت سرّ ما عليه خلق الشرّ ، وكذا مثل قوله تعالى :
« وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها »
« 1 » لأنّ معناه أنّه تعالى لو شاء أن لا يخلق أيالخير المحض ، لكان الأمر كذلك ، لكنّ التالي باطل ، فكذا مقدّمه ، أمّا الملازمة ، فهي ظاهرة ، وأمّا بطلان التالي ، فلاستلزامه أن يترك الخير الكثير للشرّ القليل ، وهو من حسان الأمور .
وأمّا المراد من مثل قوله تعالى :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
« 2 » أنّ ما يستدعي كلّ أحد منهم ليس إلّابإرادة اللَّه منهم أنّه البصر إنّما يقتضي رؤية مصنوعاته ، والسمع تلقى مأموراته والاجتناب عن منهيّاته وغير ذلك من حسان الأمور . غاية الأمر أنّ بعضاً منه لأسباب عرضيّة وقد ينحرفون عنه ، وذلك لا يقدح في أن يكون الداعي إليه أمراً آخر حسناً ولا في أن لا يترتّب على إيجاده ما أراده اللَّه منهم ؛ إذ المطلوب منه ليس إلّا وقوع الخير الكثير ، وهو ملزوم أن يكون معه هذه الشرور العقليّة .
فإن قلت : لو كان الأمر كذلك ، لكان وقوع هذه الشرور بإرادته واختياره ، وهو عين ما هربتم عنه .
قلت : إن أردت [ أنّ ] هذا يوجب أن يكون هذه الأمور من جملة ما يتعلّق به إرادته بالذات ، فهو غير مسلم ، وإن أردت أنّ هذا يوجب أن يكون من جملة ما هو مراد له تعالى بالعرض ، فهو مسلّم ؛ وأمّا الآيات الاخَر ، فما هو منها يدلّ على أنّه يريد هذه الأشياء القبيحة لك أن تحملها على أنّه تعالى يريدها بالعرض لا بالذات فكأنّه قال : إنّه هو الشرّ القليل الداخل فيما هو مراده تعالى بالعرض .
وأمّا ما يدلّ على أنّه مراده تعالى لا يتخلّف عن إرادته ، فكذلك أن تقول فيها إنّ الأمر كذلك ؛ إذ المطلوب منها ليس إلّاالخير الكثير ، وهو ليس يتخلّف عنه كما لا
هامش
( 1 ) . السجدة ( 32 ) : 13 .
( 2 ) . الإنسان ( 76 ) : 30 .