وأمّا مناسبة هذا القول للبداء ، فمن حيث إنّ الفرق بين الأجلين بذلك يدلّ على البداء حيث إنّ الثاني يتجدّد بالقدرة دون الأوّل لانقضائه وإمضائه ، فيجري في الثاني البداء لتجدّده بحسب القدرة ، وإلّا فكلّ من الماضي والآتي محتوم لا يختلف نسبة « 1 » إليها كما لا يخفى .
قال : إنّا خلقناه . [ ص 147 ح 5 ]
أقول : المراد بالخلق هاهنا التدبير ، وهو أن يفعل ما يفعل المتحرّي للصواب الناظر في عاقبة الأمور ، فالإنسان حين لا يقدر يتعلّق به خلقه تعالى بإيجاد النطفة ونحوه ممّا يفضي إليه ، ولكن ما لم يقدر لا يسمّى شيئاً ؛ لأنّه قبل النفخ كان جماداً ، فلا يكون إنساناً ؛ فلذا قال اللَّه تعالى حين النفخ :
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
« 2 » .
ثمّ إنّ المراد من شيّيّة الإنسان أن يكون مقدّراً ، وهو حين تمام أعضائه وشقّ بصره وسمعه ونحو ذلك ممّا هو قبل نفخ الروح فيه متّصلًا بالنفخ ؛ إذ التقدير قبل القضاء وبعد المشيّة والإرادة في آخر الباب والقضاء حين التكوين أينفخ الروح وكلّ من المشيّة والإرادة والقضاء خلق .
ثمّ إنّ فيه البداء لتجدّده وحدوثه بالقدرة البالغة بدلالة قوله تعالى :
« مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً »
« 3 » .
قال عليه السلام : كان مقدّراً . [ ص 147 ح 5 ]
أقول : يعني أنّ النفي راجع إلى القيد ، والاستفهام للتقرير ، فيكون مفاده مفاد « قد » ، والمراد بقوله : « مذكوراً » المذكور بين الملائكة بالإنسانيّة ، وبأنّه ينفخ فيه الروح .
ويلوح من ذلك أنّ الملائكة لا يعلمون الغيب ، ولا يقولون ما لا يعلمون .
قال عليه السلام : علّمه . [ ص 147 ح 6 ]
أقول : من باب التفعيل ، وهو بحيث لا يكون فيه احتمال تعليق بشرط ونحوه ، فإنّه
هامش
( 1 ) . كذا . والصحيح : « نسبتهما » .
( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 14 .
( 3 ) . مريم ( 19 ) : 9 .