والضمير « 1 » المرفوع في قوله : عنى ، راجع إليه تعالى ، اى إيانا عنى اللّه بالخطاب في قوله « 2 » :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
، وهو إشارة إلى المذكور في قوله تعالى :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ
، وكذا من قوله تعالى حكاية عن دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
( البقرة 128 ) .
وقوله عليه السلام : في الكتب التي مضت ، متعلق بقوله تعالى :
مِنْ قَبْلُ
، ولا يلزم ان يكون تفسيرا له لبعده بل هو صفة أخرى ، اى سماكم المسلمين في سابق الزمان في الكتب السابقة وهي صحف إبراهيم ، وانما احتيج إلى هذا التقدير ليحسن عطفه في هذا القرآن عليه ، وقوله تعالى :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
، علة للجعل المذكور في
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
، كأنه قال : جعلناكم علماء حكماء عدولا مزكين بالعلم والعمل لتكونوا معلمين للناس شاهدين ويكون الرسول معلما لكم شهيدا .
وفي تعليل كون الرسول شهيدا عليهم بصيرورتهم أمة وسطا تنبيه على أن كون الرجل بحيث يقتبس نور العلم من مشكاة الخاتم صلى اللّه عليه وآله مرتبة عظيمة لا يحصل الا بعد تزكية نفسه بالعلم والعمل وصيرورته من أهل الكمال وذلك بوجهين :
لان الّذي اوتى ما لم يؤت أحدا من العالمين من الطور الّذي هو فوق طور عقول البشر ، ولان لسان النبوة والقرآن اتى بالاجمال فيندمج فيه باطن التأويل في ظاهر التفسير وينتهى لب المعارف في قشر الالفاظ بحيث لا يعلم نور تأويله الا بنور الولاية .
ولأجل ذلك لم يكن لاحد من الصحابة رضى اللّه عنهم مع طول صحبتهم ومشاهدتهم آثار الوحي علم بالقرآن كله ظاهره وباطنه وتفسيره وتأويله ومحكمه ومتشابهة الا لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وآله في حقه : مولى كل مؤمن ومؤمنة ، وقال : أنت منى بمنزلة هارون من موسى ، وقال : أنت منى وانا منك وانا سالم لمن سالمك وحرب لمن حاربك ، وقال : أنت امام كل مؤمن ومؤمنة بعدى ،
هامش
( 1 ) والمضمر - م .
( 2 ) بالخطاب في قولهمِلَّةَ أَبِيكُمْوكذا في قوله - م .